كتاب سبر

موديل التعليم الجديد للعرب

العالم أجمع ينظر بانبهار شديد في هذه السنوات تحديداً كيف صارت الأوطان العربية أكثر وعياً وثقافةً ذاتية عن الماضي ، ويحمل الكثير من مواطنيهم التفكير المستقل والنقدي تجاه المسئولين ، سواء أكانوا هم السابقين بالوعي بشكل عام !! ونحن اللاحقين في هذه الأحداث التحررية من الشمولية الغاشمة والدكتاتورية الجائرة لكن المهم هو التقدم واقتلاع هذه الأوساخ والأمراض ، والاسراع برميها لأقرب سلة مهملات . ويتسمرون بكيف أنه لم تعد الطير من على رؤوس بني العرب واثبة ؟! ، وكيف لهم وأصبحوا أكثر ما ينطقون به بكل شجاعة بكلمات من مثل : الحرية ، الكرامة ، الحقوق الإنسانية والمدنية ، تفعيل العمل بالدساتير والقوانين وعدم العبث بهم ، إلغاء قوانين الطوارئ والاعتقالات البوليسية بلا مبرر وأسباب . إنهم ينظرون للعرب كثوار حقيقيين يسعون حثيثاً للمجد الشعبي في سبيل العيش بكرامة وعزة في أوطانهم العربية .


وكانت هذه المتغيرات في عقلية الفرد العربي والجماعات هي نتاج طبيعي جداً من سنين طويلة بألم مرير وصبر طويل والانتظار لأن تحين الفرصة المناسبة للانقضاض وتبيان عقليتها ومدى تعلمها وما اكتسبته حديثا برفقة خبرتها ومعاصرتها للتطورات والأحداث التاريخية.


 فصار العرب منذ زمن ليس بالبعيد أكثر التصاقاً وقرباً بذوي المعرفة والدراية والتحليل من المفكرين ، السياسيين ، الإعلاميين ، الكُتّاب من الذين يواظبون بصدق وحرص على نشر الفضيلة للمواطن والمطالبة بالحقوق للأفراد من قبل الجماعات ، وعلى النقيض تماماً فتمت أيضاً معرفة وتعرية خادمي البلاط وخلصاء الحكومات والعاملين لدى أرباب النفوذ كأبواقٍ لهم ومدافعين عن جشعهم . فلم يعد ” المزيفون ” للحقائق وبلا مراعاة للضمير والأخلاق قيمة لهم في سوق الشعوب العربية ، وتم الاستغناء عن شراء بضاعتهم ” المغشوشة ” .


حينما لم تسهم الدراسة في المؤسسات الحكومية التعليمية من ” المدارس ، الجامعات ، المعاهد ” الذين يتطابق عليهم ويل الفيلسوف اليوناني أفلاطون القائل ( ويل لمن يرغب في تعليم الناس بشكل أسرع مما يقدرون على استيعابه ! ) . في تقصيرهم بنشر – كامل المعرفة والتوعية – للمواطنين وذلك أدى إلى عدم استيعاب الحقيقة من قوة و إرادة الشعوب ، ونتج ذلك ان سئم الشعب وضاق ذرعاً من الوضع الرتيب والزيف المتكرر في نشر وتعليم نصوص الولاءات الكاذبة والحث على الخضوع للحكّام الطغاة ، والتزوير في نقل المعلومة والأحداث وإظهارها على الشكل الذي يناسب سياسة الحكومات ككل ويخدم استبدادها وتشبثها بالحكم والجور ، حتى تفشى البؤس الإنساني والعبودية واستغلال الشعوب بالجملة وسرقة مقدراتها والعبث بمكتسباتها .


لم تطق الشعوب العربية كل ذلك بعد أن تحاملت كثيراً وصبرت طويلاً وكظمت غيضها عميقاً ، ولم يعد أيضاً باستطاعتها التحمل أكثر من سخرية الظرفاء والمتفكّهين بوصفهم المتكرر بالرجعية والجهل والقطيع الخانع ، من قِبل بعض العرب المترفين ومن بعض الغرب الكارهين لكل ما هو عربي ، وربما امتثلوا أخيراً وبوجهٍ عبوس قانط لبيت شعر الراحل حافظ إبراهيم شاعر النيل : ( سكتُّ فأصغروا أدبي ،، وقلت فأكبروا أربي) .


يقول فضيلة الشيخ عادل الكلباني في أحد البرامج التلفزيونية عن تغيره واختلافه عن السابق : ” ان الذي لا يختلف هو الذي يبقى جمادا  “وخلال عشر سنوات مثلاً إن لم يختلف الطرح فمعنى هذا أن الإنسان لم يتعلم شيئاً ! .


حينما غفلت الحكومات العربية وغرّها طول الأمل معتمدة على أسلحتها في صد ورد أي عدوان من الداخل يقوم به الشعب ” المغلوب ” على أمره لنيل حقوقه في العيش السليم ، حدث ما لم يتربصوا له ، من انطلاق شعوبهم وراء التطور المتسارع لمجريات الحياة ، ونثر خزينة الهموم والأوجاع لدى المواطنين لبعضهم البعض ، فصار لزاماً عليهم إعادة النظر فيما يمتلكون من سند وعضد معرفي ثقافي ذاتي يجابه ويصد الأطروحات والآراء التي كانت تُفرض ويؤخذ بها طواعية من غير نقاش ولا مجادلة بالتي هي أحسن حتى ! .


ومع تعدد طرق العيش والاتصال والتواصل الحديثة ، وتنوع سبل المعرفة الذاتية من الإطلاع والقراءة والبحث ، ومساهمة الانترنت بشكل كبير وسهولة الحصول عليه ، والذي بات هذا الانترنت الساحر من أهم ضروريات الحياة ، وتوافر الكم الهائل من المعرفة والمعلومات على الشبكة العنكبوتية ، صارت الاستخدامات والتكالب على مواقع التواصل الاجتماعي ومشتقاته التي برز منها : ” الفيسبوك ، تويتر ، الإيميل ” وغيرهم ، ومن الموسوعات : أغنت الموسوعة الحرة ” ويكيبيديا ” العربية منذ ظهورها في سنة 2003 عن قريناتها الموسوعات ، كذلك توافرت المنتديات والمواقع العلمية بكثرة وامتازت بالجودة والمصداقية والجاذبية للزوار ، وفي مجالات الصحافة : فقد أبهرت القارئ والمتابع ” الصحف الالكترونية ” بشكل مميز جداً ، وكذلك أنشأت الصحف الورقية مواقع لها عبر الويب سايت وغيّرت من سياستها كي تجاري النقلة و الحدث عبر اللحظة ، وتوافرت الكُتب أيضاً بالشكل الالكتروني وبسهولة تحميلها وقراءتها وساهمت بالانتشار الموسع لكُتّابها . علاوةً على تطور الإعلام المرئي الحر والخاص وتوجهه إلى جمهور مختلف عن السابق من الأعمار والاتجاهات والمستويات التعليمية والثقافية والاجتماعية عبر نقل الحدث مع ما يواكب العصر وازدهاره بكاميرات ذات تقنية عالية ، وطرق عرض للأحداث بشكل معاصر ، وتحري الدقة والجودة بإظهار المعلومة للمشاهد بشكل مفيد ومبسط ، وكثرت البرامج الثقافية والنقاشية بأساليب متنوعة وجديدة ، وكذلك تواجدت بقوة القنوات الوثائقية وقنوات النقل المباشر للندوات والمحاضرات والخُطب.


ولا نغفل أبداً عن الركائز الأساسية من خبرات السابقين في الحلول والتعاون والكفاح ، فقد كان للكثيرين من العرب كبار السن وذوي الخبرة رحلات كفاح ونضال مع الحكومات العربية في محاولة الإصلاح والتنمية . ومن هنا أنطلق المزيج من ذوي الخبرة ومن أصحاب الفكر الجديد المتشوق ، للإصلاح العربي ونجح كثيراً إلى هذه اللحظة .


ساهمت ثقافة وتطور وثورة المجتمعات العربية على ما اكتسبته سابقاً من حكوماتها في إعادة رسم خرائط لكيفية التعايش بين الحاكم والمحكوم أو الحكومة ومواطنيها ، على أن يضمن ويعرف كل الأطراف حقوقهم و واجباتهم وما لهم وما عليهم تجاه الدولة .


ومن نتاج وبوادر ذلك التطور والوعي أيضاً ، عن خروج تصحيحات علنية في المعاملة وتعديلات في حكم أنظمة بعض الدول ممن لم تثور عليها شعوبها ، مما أضفى على الوطن العربي الكثير من المتغيرات الإيجابية التي تصب في صالح الشعوب أولاً وأخيراً ، وستبدي قادم الأيام الكثير من التطورات الواجبة والمفروضة في ظل هذا الوعي الذاتي المتفشي في أرجاء المنطقة ككل .


 


•  عزيزي المواطن ،،  يقول ( لنا ) المفكر الأمريكي الفذ ناعوم تشومسكي : كل ما تحتاج إليه هو الرغبة في معرفة الحقيقة ! .


• عزيزي المسئول : تذكر قول الشاعر ان الموت يأتي بغتة ، والقبر صندوق العمل . فأصلح لدنياك وأجعل الوئام متبادلاً مع شعبك قبل أن ترحل لآخرتك .


 

Copy link