سببٌ للكتابة
سامي القريني
– 1 –
يا صاحبي، نحن نلوكُ الصخر في أفواهنا ونبري ضَرَبَاتِ قلوبنا برْياً بالسهر
والسكاكين. نجلد أنفسنا بسياط التفكير كأننا مُقدِمون على مُنازَلةِ أرواح
شريرة مُستَتِرة تقبعُ في آبار ضمائرنا. كأننا نختار قرارَنا المكينَ باليقين،
دونَ أنْ نستعين بالبُوصلة. كأننا ننتقي أرحامَنَا ونترك أقلامَنَا تمارسنا
على مَهَلٍ وتُؤَدةٍ في غفلة من العمر. نغدو نطفةً ثم علقةً ثم مُضغةً ثم
بتأنٍّ صافٍ ووقارٍ مَهيب ورزانة باذخةٍ نبذُل المستحيل ونواصل رحلة مجيئنا
يتمخّض الوجود عنا، فننزلق عراةً من سماء ابتكرناها ورفعناها إلى دروب
مشتهاة وموائدَ تزخرُ بالملذَّات. نُبلِّط قصور آمالنا، ونؤثث زماناً على وشْك
أن ينهار على رؤوسنا، عندئذٍ نشحذُ يداً تُخرجنا من تحت الأنقاض، كي
نبقى نؤلف القصص الطويلة، ونَنْظِمُ القصائد تحت سعَفِ النخيل ونتقن
صبر الرعاة وحُداءَهُمُ الشجيَّ في ليالي الصيف المسجورة. نمعن في
تأويل موسيقا ?يردي وتفكيك أوبرات ?اجنر الساحرة. نتمادى في عشق
الفلسفة، ونبحث عن مِطرقة نيتشه في إحدى الغابات المنسية. نحمل
قنديل المعرفة، ونتغزّل بنوافير باريس. نتبادل أطراف الحديث مع النسيم
المغْناج القادم من شرق كوبنهاجن، ونطارد أوجُهَنا التي بلا هُوية في أزقة
?ينيسيا الضيقة. ثم حين تضيق بنا الجهات نرحلُ فُرادى، وكأنّ القدر الذي
ابتلعناه تيناً شهياً وعنباً حُلْواً راح يضطرب في أجوافنا ويُقطِّع أمعاءنا. وكأنّ
الأمس الذي ملأناه صَخَباً شاخ صوته على حينِ غِرّة فلم يَنبِس إلاَّ
بهلوسةٍ باردة، ولمْ يبقَ منه سوى عويل يتكاثر ويفترسُنَا كأفاعٍ جائعة.
نفعلُ كُلَّ ذلك من أجل أن نبتكرَ معنىً جديداً، معنىً يَهبُنا الحكمةَ ويُقلِّصُ
جهلَنَا بالأشياء، ويعوِّضُ خسائرَنا الفادحةَ في الأهل والعتاد، وفي الحبِّ
والحربِ، وربما في كلِّ شيء.
– 2 –
على كلِّ حالٍ، لن أبوحَ لكَ بالشجن الذي أمضَّني ودفعني إلى الكتابة
إليك، يكفي أنكَ تُصغي لأكتب، فلا تكترثْ لشَكَاتِي. إنني أحاول أن أطويَ
الصفحةَ لأحاورَكَ في أمور كثيرة تعنيكَ وتعنيني. ألسْنَا نحن من تَرَكْنَا
بصماتِنَا على خاصرةِ البحر ؟ الأمواجُ تتوالدُ بغزارة، والأمواتُ يتناسلون،
والأحياءُ معروضونَ للبيعِ في سوقِ الهواء، والكُرَةُ الأرضِيَّةُ في ملعبِ
الخَوَنة، فمنْ أنا يا صاحبي، ومن أنتَ، ومنْ هُمْ ؟ أليسوا همْ نحنُ بتراكيبَ
وصِيَغٍ مُختلفة ؟
نحن يا صاحبي عِبءٌ ثقيل على كاهل الحياة.
الحياةُ اللقيطةُ التي رعيناها وسقيناها ماءً زُلالاً وأبوةً خالصةً لا شائبةَ
فيها وأمسكنا بيدها وعبرنا معها الشارعَ الطويلَ جنْباً إلى جنْب، ارتدَّتْ
عن ديننا وارتَدَتْ قناعاً لتخفيَ خلفَهُ وجهَهَا الآخر. كنا نصدّق ما تقوله
الرياح في المواسم الكالحة للنباتات البرية، لكنّ القناعةَ لا تأتي بيُسْر
وسهولة كما تعلم. مرِضْنا لأننا لم نجدْ دواءً شافياً لأرواحنا في هذا
السديم المُتكاثِف. هكذا نَهَشَتنا ظنوننا الوحشية وأرعَشَتْنا حُمَّى
تساؤلاتنا. وهكذا أدمَنَّا التَّرحال من بلد إلى بلد ومن أنثى إلى أنثى ومن
إقامة جبرية إلى برزخ مفتوح. لقد أهملنا أرواحنا، بلى أهملناها مقابل
استسلامنا لجبروت الجسد وهَيْلَمَانِ الدنيا، فما فُزنا إلاّ بهذا الشقاء الذي
أمطرَ أفئدَتَنَا جوىً وسُقْماً.
– 3 –
لماذا تَكتبُ ؟
أتكتبُ لأنَّ في جنْبَيْكَ حُمماً وشظايا بركانيةً منصهرةً وملتفةً كالأدغالِ حولَ
رقبتك ؟ تخنقك في يقظتك ومنامك، ثم تنقَضُّ عليك وتُرديكَ قتيلاً آنَ
تنهضُ من سريرك ؟
لماذا تكتب إذن وأنت قتيل ؟ لماذا تكتب وأنت تستنشقُ رائحةَ الدَّمِ ملءَ
ثيابك وتبيتُ كأنك مسلوب الإرادة والعزيمة ؟
أتكتب لأن صوتاً هادراً أيقظك وجرّك إلى فلوات خالية إلاّ من هياكلَ عظميةٍ
وواحاتٍ بلا شجر ؟ يبدو أنك تتبع ظلاًّ آخرَ غيرَ ظلك !
كأنَّ الألمَ – إذ يهرُسُكَ بأسنانِهِ الفولاذية الصلدةِ – غُولٌ يُصيِّرك شبحاً
ويُحَوِّل خلاياك وشرايينَكَ إلى خطوطٍ وسككٍ حديديةٍ لقطاراتٍ لن تمرَّ عليها
إلاَّ لتدهَسَك .. ! انتفضتَ ؟ أليسَ كذلك ؟
لا تخفْ، إنَّ حلمَكَ هذا أقربُ من أنفاسك إليك. لقد أصبحتَ تراه وتعيشُهُ
كل يوم حين تضع رأسك على الوسادة، لكنكَ – يا لَهْفَ نفسي عليكَ –
قضيتَ عمرَكَ تدور حول أوهامك، وتسأل : كيف الخلاص ؟
عندما كنتَ صغيراً ..
كنت تُغمِّس كِماداً في الشاي ثم تضعه على عينيك لتمحوَ حروفاً
من كتاب قديم ظلتْ عالقةً برموشك طَوال فترة الليل، ثم تُغمِّس الكِمَادَ
ذاتَهُ في الماء البارد وتنشره على غُرَّتِكَ ليزولَ عنك صداعُ القراءة. فهل
أسعفتك محاولاتك البائسة في طور المراهقة، أم أنكَ أذعنتَ بعد ذلك –
رَغْماً عنك – للمكتوب على جبينك ؟
أتكتب لأن امرأةً أغوتك غمازتاها، واستنطقتك شفتاها، أم لأنَّ إيقاعَ كعبها
العالي كان يحفر رخامَ حنينك إليها ويسكب في نواحيكَ نبيذَ المَسَرَّة ؟
إنك وحيد، سواء أفي العزلة أم في الزحام.
فاجلس إلى طاولة بعيدة هناك،
في مقهى بعيد هناك،
في بلد بعيد هناك ..
وتأمل السُّيَّاحَ والمشاة والعمال والأطفال والعشاق والمهرجين وباعةَ
الحلوى وقل : إني امتلأت بكم.
وإذا رجعت ذاتَ يوم من “هناكَ” ستجدني – إنْ شاءَ اللهُ –
في انتظارِكَ .. هُنَا.
مايو 2012
هيلسنجور – الدنمارك


أضف تعليق