دائما نسأل أنفسنا : ما سبب الكراهية التي نجدها بين الناس اليوم إلا من رحم الله كان الناس في السابق بينهم ترابط وتراحم وألفة ومودة ولذلك شعروا بالراحة النفسية أكثر منا في هذا الزمن ؟
أعلم أن الأسباب التي جعلت الناس اليوم في صراع مرير حتى في المشاعر الانسانية كثر ولابد أن نكشف عن ذنوبنا وعيوبنا لنصلح أنفسنا لعل الله عز وجل يقبل توبتنا ويغسل قلوبنا المظلمة.. اللهم رحمتك نرجو فلا تكلنا إلى أنفسنا وأصلح لنا شأننا كله لا إله إلا أنت سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
كره الآخر ، الآخر المختلف والآخر المتجانس أيضاً ، الآخر البعيد والآخر القريب ، الآخر الرجل والآخر المرأة . قد يكره الإنسان ذاته وهذه هي نقطة التحول الخطيرة ؛ حينها سيتحول الى وحش كاسر ،ساعتها سيفرغ هذا الكره العنيف المرتد في تعذيب الآخرين وابادتهم ، سيسيطر عقله الباطن المأزوم على وعيه الهش والكسول ، لكن البطولة الحقيقية هي رغم الألم ورغم طعنات الاخرين هي مقاومة ضغوطات الكراهية الارتدادية فنحاول جاهدين ان نبث المحبة بالرغم من اقتناعي الداخلي بأن ذلك يعتبر عجزا انسانيا خطيرا فنحن لا نمتلك سلطة أو بركانا يمكننا من حرق خصومنا ورد الاعتبار لأنفسنا المكلومة وذاكرتنا المثخنة بالجراح.
كما لا نمتلك مالاً يمكننا من صنع أسلحة الدمار الشامل لنرضي أنفسنا لذلك نتظاهر بالطيبة والتحدث مطولاً عن المحبة والسلام ، لأننا لا نريد أن نخسر عقولنا وأنفسنا لذلك نتخذ من “سلاح العاجزين حلا ً ” !
فكم من عاقل في مظهره حولته الأموال والسلطة الى غول كبير وإن ابتدأ طريقه بالكلام عن المحبة والسلام تناغماً مع وعيه المحسوس ، لكنه لا يعرف ان هذا الوعي البسيط لن يستطيع ان يقف بوجه هذا التيار الجارف من الكراهية المنبعثة من اعماقه .
كل منا يحمل غوله في جيبه او في قبضة يده ، لكن كم منا يستطيع ان يعتقل هذا الغول ويدجنه ؟
وفي تعريفنا للكراهية نجد أنها مشاعر أنسحابية يصاحبها أشمئزاز شديد، نفور وعداوة أو عدم تعاطف مع شخص ما أو شيء أو حتي ظاهرة معينة، تعوز عموما إلى رغبة في تجنب، عزل, نقل أو تدمير الشئ المكروه.
أحيانا يستخدم لفظ “الكراهية” عرضاً للمبالغة في وصف شيء لا يطيقه الشخص أو لا يعجبه فحسب، مثل شكل معماري معين، حالة طقس محددة، وظيفة معينة..أو حتى بعض أنواع الطعام.
تستخدم لفظية “كراهية” أيضا لوصف إجحاف أو حكم مسبق، تعصب أو إدانة تجاه فئة أو طبقة أو مجموعة من الناس و أعضاء هذه الفئة/الطبقة/المجموعة المكروهة، العنصرية هي أبرز مثال على ذلك. وهذه الكراهية من الممكن أن تتسبب في تدمير كل البشر (خاصة أعضاء تلك المجموعة/الفئة/الطبقة المكروهة) إذا أستقرت في القلوب الكارهين.
ان الفلاسفة قد أظهروا تعاريف و مرادفات كثيره للكراهية. رينيه ديكارت رأي إن الكراهية هي إدراك إن هناك شئ سيئ في مجتمع مع الرغبة في الانسحاب بعيد عنه. يري أرسطو الكراهية علي انها الرغبة في إبادة الكائن المكروه.
كما ان البعض يري ان الحقد هو حزن مع فكرة مصاحبة لسبب خارجي. او عندما يكون هناك شيء أو شخص ما يقدم لنا الحزن فيظهر الحقد و تظهر الكراهية، و أحيانا نشعر أن الكراهية تجاه شيء أو شخص. يعتقد ديفيد هيوم أن الكراهية هو شعور غير القابل للاختزال و لا يمكن تحديدها (تحديد سبب الكراهية) على الإطلاق.
وقد أوضح سيجموند فرويد أن الكراهية هي رغبة الشخص في تدمير مصدر تعاسة/الحزن/الكره اليه.
كما يري البعض ان (الكراهية او الكره) هو شعور عميق و عاطفي ، وموجه ضد مجموعة من وجوه معينة أو فئة معينة من الكائنات (سواء انسان او جماد أو حيوان او نبات الخ…)، و احيانا مجموعات كاملة (كبيرة) من الناس (مثل قبيلة او مدينة او محافظة او دولة معينة)، أو الناس بشكل عام، أو وجود، أو العالم كله(ولكن ليس بالضرورة أن تقتصر الكراهية علي ذلك)، وكثيرا ما يرتبط بمشاعر الكراهية:الغضب
يرسخ في أذهان معظم المحبين أن القلب هو المسئول عن مشاعر الحب أو الكراهيه، فالقلب ليس له علاقة بالحب أو المشاعر الإنسانية، وإنما تؤول المسئولية في هذا الأمر إلى المخ، وهذا ما اكتشفه علماء بريطانيون، أن السر في حب أشياء معينة دون أخرى، هو مسئولية مراكز المخ التى تتكون فيها مشاعر الكراهية لدى الإنسان قبل أن تظهر على سلوكه.
وأشار البروفيسور سمير زكى وجون رومايا من جامعة لندن، إلى أن الشعور بالكراهية ينشط مراكز أخرى لمشاعر متقاربة مع الكره مثل الخوف والغضب ولكن الكراهية تشاطر الحب مركزين من مراكز المخ.وتوصل علماء الأعصاب إلى أن مركزاً فى المخ يعرف باسم “بوتامن” والمنطقة المعروفة باسم “انسولا” ينشطان عندما يساور الإنسان شعور بالحب أو بالكراهية، ويوضح البروفيسور زكى أن مركز “بوتامن” يمهد لحركات الإنسان وليس عندما يصادف الإنسان شخصاً يكرهه فحسب ولكن أيضاً عندما يظهر الشخص المنافس على الشخص المحبوب.
أما منطقة “انسولا” فإنها تنشط كرد فعل على الإثارة المقلقة “ويمكن للوجه المحبوب والوجه المكروه أن يمثل هذه الإثارة حسبما أشار العلماء، كما تنشط مشاعر الكراهية مراكز أخرى فى المخ إلى جانب المركزين المذكورين وهذه المراكز على صلة بالمشاعر العدائية أيضاً.
واستطاع العلماء باستخدام أشعة الرنين المغناطيسى مراقبة ردود الفعل فى مخ 17 شخصا من المشاركين فى التجارب عندما كانوا يشاهدون صوراً لأشخاص محببين وآخرين مكروهين لديهم وغالبا ما كان هؤلاء المكروهون محبوبين سابقين أو منافسين فى المجال الوظيفي.واستخدم الباحثون صوراً محايدة بالنسبة للأشخاص المشاركين فى التجربة للمقارنة بين ردود أفعالهم لدى رؤية المكروهين وردود الفعل لدى رؤية الأشخاص العاديين.
وقام الباحثون أثناء الإعداد للتجربة بتقييم درجة كراهية هؤلاء الأشخاص لأصحاب الصور وصنفوا هذه الكراهية حسب مؤشر خاص يبدأ من صفر إلى 72 نقطة فوجدوا أنه كلما زادت نسبة الكراهية لأصحاب الصور كلما زاد نشاط مراكز المخ المشار إليها عند تصوير المخ، ويرى العلماء أن نتائج هذا البحث يمكن أن تساعد فى التعرف على دوافع الجريمة وقانا الله شرها.
ونجد اخواني ان ديننا الحنيف يحثنا دائما على التماسك ونبذ الكراهية والفرقة فنجد قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) يا له من تصوير بديع ممن لا ينطق عن الهوى يصور فيه المجتمع الانساني المتماسك المترابط الذي يعين بعضه بعضاً ويحنو بعضه على بعض وبذلك يتحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة.
ان التكافل الاجتماعي في الإسلام أسهم بشيء يسير في رسم المعالم الأساسية لهذا المجتمع المنشود.. يقول الإمام أبو زهر (وهكذا نرى أن واجب المؤمنين أن يتضافروا في إيجاد مجتمع فاضل ولا يسكت مؤمن منهم عن الدعوة إلى الحق بل إن التكافل الاجتماعي الخلقي يوجب عليه أن يسهم في بناء المجتمع الفاضل فيمنع شره ويدفعه إلى الخير ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن من أن يقف على الحياد في معركة الخير والشر بل عليه أن يكون عنصراً إيجابياً عاملاً فالتكافل الاجتماعي أوله وأساسه التكافل على إيجاد مجتمع فاضل لا يظهر فيه إلا الخير.
اخواني ثم اننا نتساءل لماذا الحقد والكراهية والتكبر بين الإخوة لماذا أصبحت تلك المشاعر مرض منتشر أصيب به جميع الناس في وقتنا الحاضر .
فنحن نعلم ان الحقد صفة ذميمة في نفوس البعض تجري مجرى الدم في عروقهم ، ولكنه سوف يظل معنا ما دمنا موجودين ، كما أعتقد أنه صفة مكتسبة بقدر ماهي موجودة .
لذا نرى أناساً يحقدون على شخص آخر بدون اي سبب يحسدونه على ماله وعمله وسكنه أو دراسته ، حتى بالأمور البسيطة ، ونرى كذلك بعض افراد الأسرة الواحدة أصبحت تحقد على بعضه كالحقد بين الاخوة كما حدث من قابيل ضد هابيل .
والحقد والحسد كما حدث من اخوة يوسف ضده لحكمته و حب أبيه له و رؤاه التى تؤكد سيادته و علو شأنه فوقهم جميعا .
فالحقد حمل ثقيل يُتعب حامله؛ إذ تشقى به نفسه، ويفسد به فكره، وينشغل به باله، ويكثر به همه وغمه .
ومن عجبٍ أن الجاهل الأحمق يظل يحمل هذا الحمل الخبيث حتى يشفي حقده بالانتقام ممن حقد عليه.
لقد وصف الله أهل الجنة وأصحاب النعيم المقيم في الآخرة بأنهم مبرئون من كل حقد وغل،وإذا حدث وأصابهم شيءٌ منها في الدنيا فإنهم يُطهرون منها عند دخولهم الجنة:) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ( فالحاسد لا يمكن ان يرضى او يقر له قرار حتى تزول النعمة عن محسوده .
هذا الحاسد تراه ينتقصك في كل مناسبة حتى لو بذلت له من المعروف ما لم تبذله لاحد غيره . هذا هو الحاسد وهذه طبيعته .
هذه النماذج من الأشخاص اجزم انها مئات في مجتمعنا . هناك أشخاصاً أنانيون مغرقون في اللؤم والدناءة لا يعرفون معروفا ابداً، وهذا هو الحسد والحقد الجديد في هذا الزمان .
قال الله تعالى (ومن شر حاسد إذا حسد ) وقال صلى الله عليه وسلم (الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال :(لاتباغضوا ولا تقاطعوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا كونوا عباد الله اخوانا). كما قال عليه الصلاة والسلام (لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وليس فقط الكبر اي التكبر على الناس بل من حقد على الناس وكرهه .
وقال بعض الحكماء: لا تصاحب من هو فوقك فيتكبر عليك. ولا من هو مثلك فيحسدك. ولا من هو دونك فيحتقرك. اجل ان الحسد لا يأتي إلا ممن هو قريب منك وفي مستواك والذي يعرف عنك كل شيء .
وأخيرا اخواني رددوا معي اللهم طهر قلوبنا من كل خلق لا يرضيك، اللهم طهر قلوبنا من الغل والحقد والحسد والكبر، اللهم طهر قلوبنا من كل سوء ،ومن كل أذى ،ومن كل داء .

أضف تعليق