اخـوانـي اخـواتـي قـد تـكـون صـفـة نـكـران الـجـمـيـل مـن الصـفـات الـمـذمـومة والـغـيـر مـحـبـبـة والـتـي تـسـاهـم بـشـكـل كـبـيـر فـي ابـتـعـاد الـقـلـوب وضـيـق الـصـدور ، وقـد يـواجـه الأكـثـريّــة مـنـا هـذه الـمـواقـف …
فـفـي حـيـاتـنـا نـواجـه ونـتـعـرف عـلى أشـخـاص نـهـديـهـم أحـاسـيـســنا بـكـل مـعـانـيـهـا فـنـخـاف عـلى مـصـلـحـتـهـم ونـقـوم بـتـوجـيـهـهـم ونـصـحـهـم فـي الـخـيـر والـوقـوف بـجـانـبـهـم فـي كـل وقـت فـي الشـدّة أو الـرخـاء … فـنـقـاسـمـهـم أفـراحـهـم وأحـزانـهـم وتـدمـع عـيـونـنـا مـع عـيـونـهـم وتـبـتـسم شـفـاهـنـا مـع شـفـاهـهـم لـيـكـونـوا فـي حـيـاتـنـا وفـي كـل يـوم مـن عـمـرنا شـيء مـهـم وثـمـيـن ولا نـفـارقـهـم ونـتـمـنـى رأيـاهـم وسـمـاع صـوتـهـم فـي كـل يـوم بـل فـي كـل لـحـظـة لـنـطـمـئـن عـلى أخـبـارهـم وأحـوالـهـم ولا نـمـل مـن كـثـرة الـحـديـث مـعـهـم.
ولـكـن تـأتـي الأيـام وتـنـقـلـب الـمـعـانـي فـي الـقـلـوب إلـى جـمـود الـمـشـاعـر والـنـكـران وبـدون سـابـق إنـذار وفـي يـوم ولـيـلـة تـنـقـلـب كـل الـمـوازيـن لـلـتـحـوّل إلـى تـجـاهـل وعـدم مـبـالاة وهـجـران ونـكـران فـنـصـدم بـهـم حينها ونـتـساءل… لـمـاذا ؟؟ ومـا هـي الأسـبـاب ؟؟ … فـنـحـن لـم نـخـطئ فـي حـقـهـم ولـم نـضـرهم أو نـسـئ إلـيـهـم بـل عـلى الـعـكـس قـدمـنـا لـهـم كـل مـا يـدر عـلـيـهـم بـالـخـيـر …
ان الإنسان بطبيعته يعاشر الناس ويأنس بصحبتهم ويتخذ منهم إخوانا وأحبابا يفرح بهم ويركن إليهم إذا نزلت به الخطوب بعد الله ويودعهم أسراره ويبث إليهم همومه ويشاورهم في أموره وقد يحتاج إلى خدمتهم ومعونتهم ويكون لهم أيضا عونا لهم يحسن إليهم.
والناس فيهم الكريم واللئيم ، فيهم من إذا أحسنت إليه شكرك وعرف لك الجميل وذكرك بالذكر الحسن وكافأك على المعروف متى ما سنحت له فرصة ولو بكلمة طيبة متبعا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: (من أتى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أن قد كافأتموه). رواه أبوداود.
ومنهم اللئيم من إذا أحسنت إليه تمرد وكفر معروفك وأنكر جميلك وتناساك وجفاك إذا انتهت مصلحته وتمت فائدته وهذا الضرب كثير في هذا الزمان والله المستعان.
إن الشخص الكريم بطبعه محب للإحسان والفضل إلى الغير برأيه ووقته وجهده وعلمه وشفاعته وماله لكن كثيرا من الكرماء لا يميزون بين الناس بين من يستحق الإحسان ومن لا يستحق ولذلك تقع لهم مشاكل وتواجههم عقبات في حياتهم العملية مما تصيبهم بالإحباط أو تسبب لهم الانقطاع عن بذل الخير أو غير ذلك من الآثار النفسية. قال علي بن عبد الله بن عباس : وزهدني في كل خير صنعته إلى الناس ما جربت من قلة الشكر.
إن نكران الجميل وقلة الوفاء من الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الشرع وحذر منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يشكر الله من لا يشكر الناس) رواه أحمد. وهو يدل على سوء الخلق وقلة المروءة وفساد الرأي وأنانية النفس وضعف الإيمان وغيره من صفات السوء. إنه إنكار للفضل وجحود بالإحسان الذي من الله به على عباده وفتح عليهم به وكفران للنعم كما في الترمذي: (من صنع إليه معروف فوجده فليجز به فإن من أثنى فقد شكره ومن كتم فقد كفره). ومن كانت عادته كفران نعم الخلق وترك شكرهم كانت عادته كفران نعم الله وترك شكره. فلا يليق بالعاقل أبدا أن ينكر الإحسان ويتنكر له. إن اعتراف الإنسان بفضل الغير ومعروفه لا ينقص من قدره ولا يحط من منزلته بل يعلي قدره عند الله وفي عيون الخلق.
إن المؤمن ينبغي عليه أن يكون وفيا شاكرا لأهل الإحسان ذاكرا للجميل حسن العهد بمن أحسن إليه يحفظ الود ويرعى حرمة من له صحبة وعشرة طويلة لا ينسى المعروف لأهله ولو طال به الزمان. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم الوفاء لمن أحسن إليه وكان يقبل الهدية ويثيب عليها ويذكر المعروف ويجازي به بل كان يفعل أعظم من ذلك يشكر من أحسن إلى الناس فقد أعتق ابنة حاتم الطائي مكافأة لإحسان أبيها وفضائله على الناس وألبس المنافق عبد الله بن أبي بن سلول قميصه كفنا له مكافأة لمعروفه في إعطائه قميصه لعمه العباس يوم أسر في بدر وأوصى بالإحسان إلى الأنصار والتجاوز عن عثراتهم مقابل ما بذلوه في نصرة الدين والإحسان إلى المهاجرين وأوصى بأهل مصر خيرا لنسبه ومصاهرته لهم في مارية القبطية.
ومن أعظم مشاهد الوفاء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حسن عهده بخديجة رضي الله عنها وذكره لها بالخير وتعاهده لصوحيباتها بالصلة والبر ثبت في صحيح البخاري قالت عائشة: (وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة). وذلك لعظم معروفها ونصرتها لدعوته ومؤازرتها له بمالها وجاهها ورأيها في أشد المواقف. ومن محبته لها وذكره لمحاسنها بعد موتها غارت منها عائشة رضي الله عنها تقول: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وآله ، فعرف استيذان خديجة فارتاع لذلك ، فقال: اللهم هالة . قالت : فغرت فقلت : ما ذكر من عجوز من عجايز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها). رواه البخاري. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن حسن العهد من الإيمان.
وقد كان السلف الصالح يعرفون الفضل لأهله ويجازون الإحسان بالإحسان ويكافئون أهل المعروف ولا ينكرونه. لما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر بن يحي وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى الكعبة وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة. ومكث الإمام أحمد أربعين سنة ما بات ليلة إلا ويدعو فيها للشافعي وفاء بمعروفه في تعليمه الفقه والأصول.
وقد قال أحد الشعراء :-
أتيتُ بنبتةٍ وزرعتها في أعلى جبل — فأثمرت فكان مذاقها مرّ كحنظل
فيا ليتني لم أشق وأزرع — وليتني لعمل الزراعة كنت أجهل
فمن يزرع المعروف في أرض بورٍ — مهما تكلف من تعب يضمر وينكد
فما لقيت مـن للمعروف أهلاً — ولم أجد لجني حصاده محراثاً ومنجل
فكنت كواقد شمعٍ في قاعات عُميٍ — أو كزارع وردٍ في أعماق جدول
فلن أرى لِحُسْن صَنيعي جميلَ ردٍّ — ولا من على التعبير للعرفان يعمل
فكأنّي عن النُبلِ في واد ٍ سَحِيقٍ — أو مِنَ السلاح في الهيجاء أَعزل
أكان ما صنعت من معروف جهلاً؟ — أم لو تغاضيتُ عنه كان أعقـل
فاتقِ مِمَّـن أحسنت إليه شـرّاً — وابتعد ولا تكن منه على وجَل
فالقِدرُ ينضح بما يَحويه عادةً — ومن نفس ما يَحْـوِيه يُؤكَـل
خُلقتُ من الحديدِ أشـدُّ بَطْشاً — ولكنّي مـن المكارم كنت أنهـل
فلو خُيرّت بعيشي مع خَسِيسٍ — لكـانَ عليَّ وقع السيفِ أسهـل
فيا من أتيت في طلب المكارم جَاهِداً — وعـن أهل المروءة , عَنِّي فاسأل
ترى نَبْعاً مـن الوفاء يفيض مني — سلسبيلاً, ومن لم يعرفني يجهل
فـإنْ كنت فـي مُقارنةٍ فَإنِّـي — بَحـْرٌ للمكـارم وغيـري جَـدْوَل
فَكُنْتُ في العطايا والهدايا حاتـمٌ — وفي الوفاء والمروءةِ كنت السَمَوْأل
فَالحَسَدُ دَاءٌ , أَنـت مُعتّل بِـهِ — أَوْ حُسَامٌ فِيهِ حَتْمـاً سوف تُقْتَـل
فَلا تُلْصِقُ لِنَفْسِـكِ أَيَ فَخْـرٍ — فأنـت من الكـلاب واللـه أبخل
سألت اللـهَ.. أن أبقى بعيـداً — عـنكَ وعن أمثالك, أَجْدَى وأَمْثَـل
وأن أقضي غريباً طـول عمري — عزيزاً وافـراً لكرامتي محترم مُبَجَّل
وأخيرا أقول لمن عانوا من نكران الجميل أنه إذا أحسنتم فاجعلوا الاحسان لله وتعاملوا مع الله ولا تتعاملوا مع الخلق ولا تنتظروا من أحد جزاء ولا شكورا. ودائما تكون أمامكم مقولة “اتق شر من أحسنت إليه وكن على حذر منه”.
ووطنوا أنفسكم على تغير أحوال من أحسنتوا إليهم وتوقعوا منهم النكران والجفاء وعند بذلكم للإحسان والفضل كونوا واثقين بالله معتمدين عليه ثم على قراركم المناسب ورأي أهل الحكمة ولا تلتفتوا أبدا إلى أقاويل الناس وإشاعاتهم التي تسفه الكريم على بذله وإحسانه وتذمه على منعه وإمساكه فإن من أرعى سمعه لكلام الناس اختلطت عليه الأمور وتوقف عن عمل الخير والناس لا يرضيهم شيء.

أضف تعليق