سبر القوافي

ماجد الخالدي يرسم المشهد السياسي.. شعراً
كرامة شعب

“نضجتُ قبل أوان النُضْج يا وطني.. لما رأيتُكَ معروضاً بلا ثمنِ”.. صرخة مؤلمة يطلقها الشاعر ماجد الخالدي من أعماق نفسه، ليكمل المشهد بعد أن يضيف له من شعره.
الخالدي قلما يغيب في ظروف كهذه، وإن غاب فإنه لا يعود إلا مشبعاً بالجمال والصدق.. وها هو يسكب لوحة شعرية جديدة مستوحاة من الأحداث الراهنة:

نضجتُ قبل أوان النُضْج يا وطني 
لما رأيتُكَ معروضاً بلا ثمنِ
لما رأيتُ كُدُوماً في كرامة مَنْ ..
شاؤوا انتشالك مِن مستنقع المحنِ
قد عرْبنوك قديماً من دمائهمُ ..
فهل تُرى الأذُنُ الطرشاءُ تسمعني ؟
تكدّستْ في عيوني ألفُ باخرةٍ ..
تقول هاجرْ .. وإخلاصي يعاندني
فالعز للمرء في أحضان موطنه ..
وإن يكن غارقاً بالفقر والحزَنِ
تكدّستْ تحتَ جلدي ألفُ كارثةٍ ..
وشمسيَ انطفأتْ واليأسُ حاصرني
من أجل أمنكَ صرتُ الشمعَ مشتعلاً 
نحرتُ عمريَ قرباناً بلا مِنَـنِ
لكن أليس دوامُ الصمتِ مجزرةً ..
للحق ؟ .. والرفقُ أحيانا من الجُبُـنِ ؟
وسالت الدمعةُ الشمّاءُ .. وانتفضتْ 
نفسي .. فصارتْ يدي سيفَ ابن ذي يَزَنِ
رحلتُ كي أملك الأمجادَ مجتهداً ..
وكل مجدٍ بعيداً عنكَ لم يكنِ
للكبرياءِ هُنا في داخلي فلكٌ ..
وفي الشدائدِ .. وجهُ الموتِ يعرفني
أنا وريثُ الصحاري .. وابن تُربتِها
و”إمبراطورُ شِعْرِ الحُب” في زمني
سلكتُ منعرَجاً ما كنتُ أرغبُهُ ..
وخُضتُ معتركاً ما كان يشغلني
تركتُ خلفي المها .. والشَـعرُ منسدلٌ ..
يغفو على كتفيها .. هل سيعذرني ؟
تركتُها .. الشفةُ اللمياءُ نافرةٌ ..
والأرضُ مَكْلأةٌ .. والعشق ينهكني
تركتُها .. كفةُ الميزان راجحةٌ ..
تجاهَها .. وظروفي لا تطاوعني
اشتقتُ في الأمس والأشواقُ عاصفةٌ ..
مَنْ توّجتْني “أميرَ الحب” في العَلَنِ
مغرورة الوجه .. كالطاووس هيكلُها 
وظهرُها إن تعرّى .. قِصةُ اللبنِ
كم مهرجانٍ مُقيمٍ في مفاتنها …
فليتَها من شِباك الحُسْنِ تعتقني
كأنها المرأةُ الألماس ، بؤبؤها ..
يبثُّ ألوانَهُ حولي ، ويُشعلني
سماؤها التّـوتُ .. والتفاحُ أوسَـطُها
مائيةُ الروحِ  .. أفيونيةُ البدنِ
كأنَّ مأدبةً في جسم فاتنةٍ ..
تمشي أمامي .. فهل جوعي تقمّصني ؟
كخطوة المرأة الحُبلى .. بلا ثِـقَلٍ ..
مشيَ الإوَزّة .. إنّ الوصفَ يخذلني
وكلما رحتُ في سيري أخاصرُها ..
لشدة الدَّلِّ .. تُدنيني وتَدفعني
تراضَعَتْ هي والأقمارَ .. فاحتشدَتْ 
فيها جُموعٌ مِن الأنوارِ .. والفِتَـنِ
أقولُ إن رقَصَتْ هذي مراهقةٌ ..
لكن إذا نطقَتْ .. فالسِّحْرُ يصعقني
يَعْشَوشِبُ الرملُ إنْ تَشْرَعْ برقصتها ..
ومثلما الوَدْقِ .. تجري أدمعُ الوثنِ
هل استحمّتْ بدهن العود ؟ هل يدُها ..
قد أفرزتْهُ ؟ ذهولي قد تملّكني
مالي ذكرتُ “اسمَها” في عُزلتي قلقاً
فانقضَّ صقراً على همي وأنقذني ؟
تحكي الأساطيرُ أنَّ الماءَ لامَسَـها
فصارَ خمراً لأهل الحُب في عَدَنِ
تلك التي وُجِدَتْ حتى أعانقَها ..
وكي تكون طُموحَ العينِ والأذنِ
إذا ارتشفتُ رُضاباً من منابعها ..
عالجتُ كل سقامٍ باتَ يُتعبني
أصابعي  كُل مِشْطٍ كان يحسدها .
بل إنني دون ريبٍ كنتُ أحسدني
حتى تفشى دخانٌ في مدينتنا ..
فكيف ألهو وحزب الظُلم يخنقني ؟
فدارنا لم تعد بستانَ منتجعٍ   ..
ولا أنا البلبلُ الغرّيدُ في الفَنَـنِ
أحنُّ للطيش لكنّي أقاومُهُ ..
تأبى المروءةُ أنَّ الطيشَ يشغلني
ماذا جرى ؟ انتسبتْ للحُزن قافيتي 
حتى كأني طويتُ العُمْرَ في الكفنِ
وبي قُشَعْـريرةُ الماشي بمقبرةٍ ..
فالجهل في نظري نوعٌ من الدَّرَنِ
نضجتُ قبل أوان النضج ياوطني ..
لما رأيتُك قرصاناً على سُفني
تُهدي القداسةَ تُجاراً ..تَقَدَّمَهُمْ ..
لصٌ … وكَمّاً من الأغلال تمنحني
وصارمٌ أنا صمصامٌ .. ومُنْصَلِتٌ ..
حتى متى في احتدام الحرب تغمدني ؟
هذي الحقيقةُ لو أودتْ لمقصلةٍ ..
أعمى ويحكمك الجُهّال ياوطني