سبر القوافي

وداعًا.. جدتي أم سعود

وداعًا.. جدتي أم سعود 

بقلم.. فيصل خلف 
 
نشر مقالي “1 فبراير .. سيء جدًا” بجريدة الاقتصادية الإلكترونية، تحدثت من خلاله عن جدتي أم سعود -رحمها الله- كان الهدف من ذلك المقال الدعاء لها، نظرًا لوضعها الصحي، استقبلته وأنا في عزائها وسط دهشة وصدمة لم تتركني إلا بعد مضي أسابيع.
كنت أفكر بكتابة مقال اليوم منذ فترة، إلى أن جاءت الفرصة لنشره هذا اليوم، علمًا بأنني تأخرت بتسليم المقال للجريدة، لعظم مقام الفقيدة الغالية والعزيزة.
ببالغ الحزن والأسى تم نعي وفاة جدتي أم سعود -يرحمها الله- يوم الجمعة الموافق 9 فبراير 2013، إثر مرض صارعها مساء يوم جمعة 1 فبراير 2013، ومِن رحمة وحُب رب العالمين لها، لم تلازم سرير المرض فترة طويلة وإنما كانت أسبوعًا فقط، وبعضكم يعرف أشخاص من سنين وهم في المستشفيات، الحمد لله على كل حال والحمد لله على قضائه وقدره، والله أرحم الراحمين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحلت صاحبة الجاه والعطاء، أفضت روحها إلى خالقها، بعد حياة كلها حب وبر وطاعة وصلاة وذكر ونقاء، كُنا نستعين بها لإقناع والدي -حفظه الله- في تنفيذ ما نريده، كانت هي خير المستشار وتملك مِلكة الإقناع، رحلت وتركت إلينا الجروح والأحزان من كل حدب وصوب، ولن تبرأ جروح غيابها، ولم تنتهِ سلسة أحزان الفراغ الضخم الذي كانت تشغله صاحبة القلب الكبير الذي يحتوي الجميع.
البركة تحيط بجدتي من كل جهة، وعلاوة على ذلك فيها بركة بشكل عجيب يصعب وصفها، يحتار اللسان بأي الحروف تنسج الكلمات، في وقت تناديه الحروف لتقول: خُذني.. عطاؤها الدائم فيه بركة وسعة لمن تجود عليه.
يقول المثل: وراء كل رجل عظيم إمرأة، حيث جدي ذعار أبو خشيم الدلبحي -رحمه الله- رجل نادر بين أقرانه، يُحسن اختيار زوجاته، من بيوت الدين والنسب والحسب وغيرها من الخصال الحميدة، مقتديًا بحديث رسولنا -صلى الله عليه وسلم- : “تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فأظفر بذات الدين تربت يداك).
كان على يده تُقضى حاجات الرجال.. وينطبق عليه رحمة الله عليه قول الشافعي:-
وأفضل الناس من بين الورى رجلاً
تقضى علـــى يده للـــناس حـــاجات
عاشت جدتي في بيت، يقصده القاصي والداني لمساعدتهم وحل صعاب الأمور واللقاء بعنوان الجود والعون، عندما كان الناس في حاجة بعضهم البعض، وهي بنت حجي بن حامد، من أشجع فرسان زمانه، وخوالها من أكرم الرجال، ومن لا يعرف موهف بن هدلان؟
عرفت بحبها لما ينفع الناس, مما جعل لها علاقة وطيدة مع الطب الشعبي, ومساعدة الناس وعلاجهم, وخاصة من الحروق فلقد ابتكرت وصفات طبية طمعًا في مرضاة الله, أذكر أنها أوقفت نزيف قدمي بيدها الطاهرة التي غمرتني بالحنان وشعرت بالعافية عندما لمست قدمي.
إن تحدثت عن الكرم فالمغفور لها من الأولى ذكرها كمثال, لأنها أهل للكرم, ولا أذكر إطلاقًا مع العلم بأن ذاكرتي ولله الحمد حديدية, يومًا بأنها رفضت أو قالت “لا” لمن يطلبها شيء, أفضالها علي ليست بالهيّنة, وكم أكرمتني بمالها ووقتها أكرمها الله في الآخرة, عندما تسمع بحاجة رجل أو امرأة تنسى نفسها لتبادر العطاء, حتى قبل أن يُداهمها المرض الأخير بدقائق معدودة, كانت قد وزعت بعضًا من المال على أقاربها والأطفال, حتى الغائب الذي لم يحضر, أعطته الحاضر يوصله للغائب بالنيابة عنها, ولا شك أنها توزّع وتوزِع في القلوب الفرح والسرور, سخيّة بعطائها وتملك من الكرم ما لا يملكه الكثير في وقتنا الحاضر.
جدتي لا تكره أحد, لها فؤاد لا يحمل من الحقد ولا الحسد مثقال ذرة على أي كائن كان, محياها مُبتسم ومنير على الدوام, ترى في وجهها الوقار, وتحب الخير لجميع الناس وتكره الشر, بإختصار تحب للآخرين ما تحب لنفسها, ترحم الصغير والكبير وتعذر الكل, حتى وإن لم يكن عذره مقبولاً ومقنعًا بنفس الوقت, الحيوانات لها نصيب من عطائها ورحمتها وعطفها, رأيتها تسقي القطط وتطعم الطيور, تريد الأجر وتطلب الثواب من رب العالمين.
لا يمر يوم من الأيام إلا وتحث على صلة الرحم, والقيام بعبادة الله قولاً وفعلاً, كانت تذكر الله كثيرًا, وعلى مواضع ولا يمر وقت إلا ولسانها يَذكر الله, وعلى الرغم من أنها لا تخرج من مكانها الدائم كثيرًا إلا أنها تتصل وتتواصل مع أقاربها الكبير والصغير, كان ذلك بسبب أو دون سبب, ويشغل هاجسها حين يصلها خبر مرض فُلان أو سفر فلان, وأكثر من مرة كنا مسافرين صوبها أو العكس, تكثر من الاتصالات علينا ليطمئن قلبها على رحلتنا ووصولنا بسلام, وتدعوا لنفسها وللمسلمين, لم تكن أنانية تفكر في نفسها فقط, هكذا هي وهذا هو طبعها وهذه سجيتها.
 من أجمل ما في جدتي قليلة هو الرغبة القوية الصادقة في المبادرة للخير وحُب الابتسامة في وجه الكل.
أم سعود تكثر من الصلاة, ولا تترك الليل دون إحياء بصلاة ودعاء وذكر, وقد شاهدتها مرارًا تحيي ليلها بأنواع الطاعات, تؤدي الصلاة على وقتها, حتى لو كانت بأسوأ ظروفها وحالاتها, وهذه رسالة أتركها لنا معشر الشباب أصحاب القوة البدنية والذهنية, عاجزين عن صلاة مدتها خمس دقائق, فكيف بالمغفور لها بإذن الله, كانت تأمرنا بالصلاة في المسجد وتنزعج من الذي لا يصليها في المسجد.
بعد وفاة زوجها -راضيًا عنها- حطّت الرحال إلى محافظة الخفجي, حيث استقرت أكثر من عشر سنين, كلها في خدمة والدتها -رحمها الله- التي رُدّت إلى أرذل العمر, حتى أصبحت مختلفة بشكل موجع, ذاكرتها بدأت تشيخ, فقدت الحركة والسيطرة على نفسها, مما دعا أم سعود إلى عدم الخروج من المنزل مهما كانت الأسباب, حرمت على نفسها ذلك, من أجل رائحة الجنة بالنسبة لها, وفّرتْ لوالدتها كل شيء وقدمت لها ما تحتاجه ولم تتأخر عن إعانتها وخدمتها, في وقت نرى أن أم سعود تحتاج إلى من يخدمها وليس العكس, وسبق أن رفضت فكرة إحضار خادمة أو ممرضة لها, لأنها تريد الجنة والبر, تحملت وحملت العناء والتعب الشديد على عاتقها.
لا تخرج من الغرفة إلا لسويعات أو لأمر هام أو حتى تتأكد من أن أمها لا تحتاج لشيء حاليًا, لا يغمض جفنها حتى ترى والدتها بخير ولا تحتاج لشيء, بقيت على هذا الحال حتى فارقت والدتها الحياة وقامت هي بغسلها وتكفينها بيدها ولم ينتهي برها بعد الموت, قامت بالدعاء والعمرة لوالدتها والصدقة والبر بمن تحبهم والدتها حتى ودعت الدنيا وفارقت الحياة.
قلبها الطاهر النقي المولع بحب أقاربها تصل الرحم بحق تسأل عن المرأة والرجل والكبير والصغير, وتزورهم وتتواصل معهم وتساعدهم وتشاركهم الأفراح والأحزان, لا تبالغ في الفرح ولا تبالغ في الحزن, لأن لديها قناعة “الحزن الحقيقي خسارة الجنة, والفرح الحقيقي الفوز بالجنة” مُعلقة على شماعة التمام, وهذا جزء بسيط مما تعلمته منها, في هذا الوقت قليل تجد مثل أم سعود, رحم الله الأولين والآخرين.
تحضرني الآن لتقتلني, ابتسامتها وضحكتها وقصصها وابتسامتها التي تبدد بقايا حزن وهمْ جاثمين على قلبي, أحب أن أُعلّق النظر عليها, خصوصًا عندما تكون في أحسن حالاتها, أتخيّل الآن ابتسامتها وضحكتها وجميع تعابير وجهها المضيء, فأبتسم ابتسامة حنين ذابلة, ضِحكتك وابتسامتك يا جدتي تطربني وتسعدني, كان يُغيّب الحاضرين بحضورك, ويشفى الغليل ابتسامة محياك.
تسكن مسامعي ذكريات أحاديثك, صعب جدًا أن أطويها, متشبثة فيني إلى حد أجهله بصراحة, أحاديث كلها خير عن حسن نية وظن, لله درك لم تجلسين على كراسي الدراسة ومع ذلك الحكمة معك, أحب الحديث معكِ والهمس إليكِ, للأسف غاب القمر لذلك اختفت النجوم.
أتذكر حكاياتك لنا, حكاياتك مختلفة, لها مذاقها الخاص وأسلوبها المميز, قصص الكبار -عادة- مملة ولا يميل إليها الشباب, أنتِ استثناء يا جدتي, ممتعة مفيدة وبنفس الوقت معبرة قصصك, وأذكر قصة كانت عن الشجاعة والقوة, ولعل هذه آخر قصصك لي.
آه ما أقسى هذه الساعات والأيام وأنا أكتب فيها هذا المقال, يجف قلمي ويبدأ ألمي, عندما أرى أمامي في خيالاتي مداعباتك لي والعكس, فعلاً كنت مدللاً في فترة من الفترات, ولكن ليس لطوال الوقت.
أقسى ما في الحياة أن تتذكر لحظات جميلة برفقة عزيز وغالي عليك, راحل عن وجه الدنيا, لم يضايقني منكِ شيء قط, كانت محببة وتجعل صدري يتسع. 
تحبين العفو والصفح, ولا تحبين أن ترين أمامك من يتجرع الألم أو يتكئ مع حزنه سرًا أو علانية, هي بإجمال أم النقاء وأم الصفاء وأم العطاء, هذه أم سعود طيّب الله ثراها.
الإنسان يؤثر ويتأثر في آن واحد, تأثرت وتعجبت من جزيل شكرها لرب العالمين ووفائها, لما منحها من نِعم حرمها ملايين البشر في العالم, لسانها وقبله قلبها دومًا تجد نبض الشكر موجود لله ويثني عليه, ولعل هذه العبارات هي أكثر ما تردده “يا حي يا قيوم” و “الله يريد بنا خير” وآسف على هذه العبارة لأنها  خارجة عن نطاق دائرتنا وهي “ربعن تعاونوا ما ذلوا جاهم المطر ما أبتلوا” وأخرى وليست أخيرة “زادت أمكم في زادن يلمكم”.
منذ أن عرفت جدتي كانت لا تستغني عن المذياع, لا تنام إلا وهو بجوارها, ولا تستيقظ إلا على ذكر الحكيم الخبير أو آيات عطرة, ومن البرامج الإذاعية المحببة لديها “نور على الدرب” و “بيوت مطمئنة”, تبثها إذاعة القرآن الكريم بالمملكة العربية السعودية, ودائمًا ما تخبرني بآخر المستجدات على كافة الأصعدة, المثيرة وخاصة حال المسلمين والحروب التي لا تنتهي بيننا وبينهم, أتفاعل معها وأنسجم وأبدي رأيي وموقفي تجاه ما سمعت منها رحمة الله عليها, من الطبيعي تعلّقها بالمذياع, خصوصًا أنها من مواليد قبل أكثر من ثمان عقود, سأقبّل المذياع وبابك الحزين الذي أراه كل يوم يرثي نفسه, ولن أكتفي بقبلة يتيمة, لا زلت أتذكر عندما كنت صغيرًا وفضوليًا, على سريرها أعبث بمذياعها ومقتنياتها, وإن علمت هي بذلك تسامحني وتسمح لي ولا تضربني ولا تخاطبني بلغة جافة, وإنما تحاول أن تمنعني ولكن بطريقة غير مباشرة ومهذبة.
إذا جاء يوم الجمعة, وكل جمعة, تقوم بالاتصال على البعيد والقريب, وتجلس تلك الجلسة الاسترخائية المُثقلة بستة أيام ماضية مرهقة, وتقوم ببعض الأعمال البسيطة, تتأمل وتصمت في يوم الجمعة تذهب إلى حديقة المنزل, وأحيانًا تهدينا المال وغيره من الهدايا, كل جمعة تأتي بأشياء على غير عادتها في الست الأيام الماضية, تكون يوم الجمعة مجموعة شموع تحرق نفسها لتضيء لنا, حُبًا وعطاءًا وإتصالاً, تدعوا قبل أن تودع شمس يوم الجمعة, وما ذكرته هنا قليل عن كثير.
كان والدي وعمي سعود وعمي محمد, يتنافسون وكأنهم في تحدي على بقاء جدتي عند أحدهم, وكاد الأمر أن يصل بهم إلى الاختلاف وتدهور العلاقة بينهم, لأن البيت الذي تغادره أم سعود يخسر بركة وجودها, لكنها بحكمتها أرضت الجميع, وغالبًا ما يربح التحدي عمي سعود كونه أكبرهم سنًا, يكسب بقائها الأطول في منزله, والبقاء في نهاية الأمر لله سبحانه, وإن هذا إن دل إنما يدل على برّها.
لا يترددون لحظة عندما تأمرهم بشيء, قدموا لها في حضورها وسيقدمون لها في غيابها, ما أجمل البرّ وحلاوته.
ويسألوني عن حال منزلنا عندما تغادره أم سعود؟
الجواب: نرى ما لا ترون, تتغير ألوان جدرانه ألمًا على مغادرتها وشوقًا تبثّه لهذه المحبوبة والحبيبة.
البساتين التي كانت تسير عليها, ذبلت أزهارها وتساقطت أوراقها, كل الزوايا متصدعة ومتشققة في جوفها, ونفد أمل على أن تعود عندما قبض روحها ملك الموت, تركت لمن يملك قلبًا حيًا, حزنًا ثقيلاً داخله, آه من سقوطك الأخير في منزلنا, وددت أن لم يحدث ولكن هذه إرادة رب العالمين, وأمر مؤكد بأن الرب لا يختار إلا خير.
في رمضان, تكثر وتضاعف أم سعود الأعمال الصالحة, وتتقرب إلى الله بشتى الطرق والوسائل, بأطولها وأقصرها بأكبرها وأصغرها بقريبها وبعيدها, تمضي إليها مُبشّرة نفسها ببلوغ غايتها التي تنشدها دائمًا, بل أصبحت شعار في حياتها الدنيوية, وهي رضا المولى وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين, صحيح أنها لا تقرأ ولو ذلك , لقرأت القرآن الكريم كاملاً عدة مرات, ولكنها تسمع وتكثر من سماعه, خصوصًا في شهر القرآن, تسأل الله المغفرة والعفو, كانت تعطيني درسًا بل دروس في رمضان, وأذكر مرة طلبت مني أن أوصلها إلى سكن مكتظ بالعمال المساكين, في وجوههم أثر فقر وحاجة, ذهبنا إليهم وأطعمنا عدد كبير منهم إن لم يكن كلهم, ورغم ضعفها وقلة حيلتها وكبر سنها إلا أنها تجتهد وتعد وجبات الإفطار لهم, تحافظ على التراويح في المسجد وتصلي القيام, تخالط الناس وتهتم بالتواصل معهم بشدة في شهر خير من ألف شهر, صحيح أن جدتي غير متعلمة, ولكنها علّمتني أن رمضان شهر يجب استثماره, بحجم السماء سأفتقد رسالة تهنئتك برمضان كل رمضان, أقسم بالله سأفتقدك جدًا يا جدة برمضان القادم.
في العيد تكون هي العيد, وبالسلام عليها يكتمل عقد العيد, سأفتقدك بالعيد يا كل العيد, يا صاحبة القلب الحاني واليد التي يكرهها البُخل, في الأعياد وحتى المناسبات توزع أم سعود الهدايا على الصغار والكبار, لتشعرهم بأن الحياة قصيرة ويجب الاستمتاع فيها, كل الأطفال يقتربون منها, وكل الكبار يحبون حديثها, أكاد أقسم بأن لا يكرهها أحد, مع أنها لا تعرف استخدام الهاتف إلا أنني في كل مناسبة دينية أستقبل منها تهنئة ومباركة, أقول لكم: لا تعذر نفسها, حتى ولو ساءت الظروف, غابت وستغيب البهجة في العيد عليّ أنا, وسيلطخ وجهي ملامح حنين, وأمنية تموت عندما تحيى, وهي أن تستيقظ من دار الغربة والوحشة, كنت طفلاً وكانت تُكرمني خصوصًا في العيد, من باب الطمع أنتظر العيد متى يأتي, وأنتم تعلمون إجابة, لماذا أنتظر؟
من أصعب وأحلك وأمرّ التجارب في حياتي, تجربة مرضها الأخير, لعبت من بعده وأثنائه حتى بعد وفاتها دور فعال, تلقيت الصدمة الأولى يوم الجمعة 1 فبراير 2013 بعد المغرب, كانت فاقده للوعي وتم نقلها بواسطتي للمستوصف القريب من منزلنا, بسرعة جنونية أستغربها الجيران ومعها أعصابي التي أوشكت على التلف وأنا الذي لا أعرفه, أوصلتها للمستوصف لعلهم يضيفوا أشياء على الأقل تبقى على قيد الحياة, حتى جاء ابنها سعود ونقلها للمستشفى الذي كان آخر مستشفى لها في الدنيا.
يوميًا كنت أزورها بالعناية المركزة, لأرقيها وليطمئن قلبي عليها, وفي اليوم أكثر من زيارة, حتى أنني أحضر بأوقات ممنوعة, ولكن باستخدام القوة دخلت, أعصابي لا تهدأ حين أراها كالجثة الهامدة بلا حراك, الأجهزة محيطة بها من كل صوب, وأصواتها التي كانت تزعجني كثيرًا, أشبّث يدي وأدعوا لها وأخرج متفائلاً -بتفائل ينقص ويزداد- بشفائها وعلى وجهي تُسكب الدموع والعبرات, سألت الأطباء ولم يبشروني, جعلوني أغرق أكثر عمقًا في بحر الحزن والنكد, كنت لا أولي حديثهم أي مصداقية واهتمام, مؤمنًا بأن الله على كل شيء قدير, أحضرت لها راقي شرعي معروف ولكن للأسف لم يكمل معنا اليوم الثاني بسبب كثرة انشغالاته وسفره, وبعد رقيته وتشخيصه للحالة تبيّن أن كلامه يتوافق مع الأطباء, منذ أول ليلة على فراش المرض وأنا لا أفارق البكاء ليلة, وبالي منشغل وتفكيري شارد ومشتت, شريط الذكرى يعرض نفسه أمامي, طبيعي أن يصدر هذا مني, كون من أعز وأغلى الناس عندي ترقد في العناية المركزة, وفي رواية بين الحياة والموت, أبنائها المهندس سعود والمهندس خلف والمهندس محمد, رجال بمعنى الكلمة, إيمانهم برب العالمين أقوى مني بصراحة, لأنهم تجرعوا من المواقف والعبر والفقد ما الله يعلمه, يقيمون غداء وعشاء لضيوفهم, منذ أول ليلة لها في العناية المركزة, وكنت أنا أتعمد الغياب كي لا تُغلق نفسي وأجهش بالبكاء أمام جمع من الرجال, ولا أخفي عليكم عاطفتي الجياشة, أردت أن أجعل أغلب حزني وألمي أشاركه مع خالقي فقط, كنت لا أنام بشكل طبيعي وهادئ, أعيش حالة من التبلد, وكل هذه توقف نبضها بعد أسبوع.
لا أذكر تحديدًا آخر لقاء بيني وبينها كان عن ماذا, حقيقة لم أكن أعلم بأن عجلة الحياة سيتغير مسارها بهذا الشكل!
هي أم المهندسين, أم أميّة أنجبت وربّت ثلاث مهندسين, خريجي جامعات عريقة ومعروفة, يكفيني فخرًا كونها غير متعلمة, ولكن تخرّج على يدها أبناء متعلمين صالحين, قدموا لمجتمعهم وضحوا لوطنهم, وبنات صالحات أمهات لرجال لهم مكانة في المجتمع, وعزائهم أنها ماتت راضية عنهم جميعًا.
لا أذكر -أيضًا- متى كانت آخر زيارة لغرفتها العامرة, والتي ستبقى محبوسة في ذهني بكل تفاصيلها, دقّها وجلّها, آخر زيارة لها كانت كئيبة ومظلمة, رغم نور الأضواء, وجدت أمي وعمتي يفرغونها من الأشياء المتعلقة بأم سعود, عملت مقارنة بين أن كانت حية ترزق وبين هي الآن تحت التراب بعد أن كانت فوقه, ووجدت مفارقة بعد المقارنة!
من المواقف المؤثرة جدًا في حياتي, زيارة قبرها, لم يكن يومًا ينسى, لحظات كانت قيّمة, وحركات كانت محسوبة, وناس كانوا في المقبرة منهم من حضر جنازة, ومنهم من يدعوا لحبيبه أو حبيبته التي رحلت, هي الزيارة الأولى ولن تكون الأخيرة, سأكررها حتى موتي بإذن الله.
لن تغادريني يا حبيبتي, كل يوم أمر على بابك رغمًا عني, أشتاق لرؤيتك وتقبيل العروق التي بيديك, ولكن الشوق سأتركه في الجنة بإذن الله, لا أستطيع أن أفيض بكل مشاعري, بكلمات معدودة, ولكن يبقى ما في الداخل أكبر من الخارج, فقدك موجع جدًا وفراقك أصعب, أعاننا الله على التحمل ومد لنا صبرًا جميلاً لا ينقطع.
قلتها لأسرتي الكريمة, وها أنا أعيدها هنا خطيًا, ما عليها خوف, الخوف علينا نحن أكثر منها, كل واحد يسأل نفسه:- ماذا قدمت للآخرة؟
أتذكر عندما رافقتها لمثواها الأخير وعندما فتحت باب الإسعاف, وعندما نثرت على قبرها التراب, وعندما أنزلتها القبر, كانت لحظات عصيبة, ومشاهد تفتقر إلى الشجاعة.
كما لا يفوتني أوصي نفسي وجميع محبيها وأقاربها, ومن يقرأ هذه السطور بالدعاء لها, وثقتي في الله ثم في والدي وأعمامي وعماتي بأن يواصلوا البر وأن لا يوقفوا الأعمال التي تعود عليها بالنفع بعد موتها, والله يقدرنا على رد جميلك يا أم سعود.
وفي النهاية لا أملك إلا أن أدعوا لها, رحمها الله وغفر لها:- اللهم أبدلها دارًا خيرًا من دارها, وأهلاً خير من أهلها, اللهم اجزها عن الإحسان إحسانًا وعن الإساءة عفوًا وغفرانا, اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة, اللهم أنزلها منازل الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا, اللهم أملأ قبرها رضا وفسحة ونور وسرور, اللهم كن معها ولا تكن عليها, اللهم أسكنها فسيح جناتك, اللهم أعذها من عذاب القبر, اللهم آمين.
وداعًا جدتي, وقلبي على اتصال معك.
فيصل خلف
@FK1414