مكابرةً على ثقل حقيبتها التي حملتها فوق رأسها، لتحمي ثيابها من المطر..
خرجت الطفلة مسرعةً من بوابة مدرستها، مخترقةً سيارات تنتظر أطفالها.. وحين وصولها للسيارة، استقبلتها نظرات حادة من والدها، شعرت بأنها المتسببة بتعطيل السير.
حاولت أن تظهر اهتمامها بنظافة السيارة، للتكفير عن خطأ تعطيل السير الذي لم ترتكبه، ركلت بقدمها أسفل السيارة، كي تسقط بقايا الطين العالقة تحت حذائها، جلست بصمت ووضعت حقيبتها على قدميّها، لكي لا تبلل مقعدها.
رغم صخب الشارع، وصرخات السائقين والمارة.. كان الصمت سائدًا داخل السيارة، الطفلة تعلم بأن الطريق للمنزل مازال طويلًا والنوم صعب مع هذا السير المتردد وسط الازدحام.. حاولت أن تكسر حاجز الصمت، فتحت المذياع خلسةً دون أن ترفع الصوت عاليًا.
لم يغضب والدها رغم ملامحه التي تمهّد للانفجار لأتفه الأسباب، رأت الوضع يسمح برفع صوت المذياع.. رفعته، اندمجت مع المذيع الذي يتحدّث بحماس عن ترتيب الأغاني اليومي بعد تصويت المشتركين، ويقرأ رسائل المتابعين المعلقين على نوعية الأغاني المختارة.. بسرعة أغلق الوالد المذياع.. وقال كلمتيّن: “ناس فاضيّه”.
عاد الصمت سيدًا للموقف في السيارة من جديد، الطفلة شعرت بأنها داخل تابوت، وكل ذلك الضجيج في الخارج، كأنه بكاء عليها.
بدأ السير في الشارع يتحرر قليلًا، والزحام يخفّ.. المطر توقّف تدريجيًا، فتحت نافذتها ليدخل الصخب في الخارج إلى داخل السيارة، عادت الروح لها من جديد وهي تراقب الجميع وتسمعهم، ونسائم عليلة داعبت عينيّها وشعرها.
ولكن سيارة مسرعة أفسدت عليها هذه الحياة الجديدة، مرّت السيارة المسرعة على بركة مياه تجمّعت جراء المطر، لتدخل المياه إلى داخل السيارة وتفسد ملابسها وحقيبتها ومقعدها، وكل ما حاولت الحفاظ عليه قبل ركوبها السيارة.
أغلق والدها النافذة، وزجرها بعنف قائلًا: “كل هذا الغباء الذي تمارسينه في السيارة لا يكفيكِ، لتجذبِ لي غباء الحمقى في الخارج”.
استسلمت للجمود المفروض عليها، وبما أن مقعدها وملابسها أفسدتهما تلك المياه، رفعت قدميّها فوق المقعد، لتضع رأسها بينهما، وتنام على وقع صوت محرّك السيارة.. ولم يمضِ إلا القليل حتى أحسّت بتوقّف السيارة، استيقظت وفتحت عينها اليسرى فقط، شاهدت والدها ينزل ويلتف حول السيارة ليركل الإطار الأيمن في الخلف، علمت بأنه فقد بعض هوائه ويحتاج للتبديل.
نزلت من السيارة لتوحي لأبيها بأنها تريد مراقبته أو مساعدته لو طلب منها ذلك.. ولكنها في الحقيقة كانت سعيدة بذلك الهواء الذي يأتي بعد توقّف المطر، ومستمتعة بصوت السيارات وهي مسرعة، أغمضت عينيها وهي تسير بعكس مجرى الهواء، كانت سعيدة جدًا بهذا الشعور.
انتهى والدها من استبدال الإطار، وطلب منها ركوب السيارة.. لم تفارقها الابتسامة وهي جالسة على مقعدها المبلل، وملابسها الرطبة تلتصق بجسدها بين حين وآخر.
لم تكن تريد أن تزعج والدها، إلا إنها كانت تعلم بأن تلك الحياة التي يبعثها المطر في الخارج، لها فيها نصيب.. سعت لها ولم تنلها، ولكن القدر أهداها بضع ثواني لتستمتع بها دون أن تزعج والدها.


أضف تعليق