تجاوز عدد القتلى في الغوطة الشرقية والعاصمة السورية دمشق وريفها الذين سقطوا فجر اليوم جراء القصف بالأسلحة السامة الـ 600 قتيل ومئات المصابين، ومعظم هؤلاء من النساء والأطفال، ما يعكس لامبالاة نظام بشار الأسد بالفريق الدولي الذي تواجد على الأراضي السورية للتحقيق في استخدامه الأسلحة الكيماوية ضد شعبه.
وأظهرت مشاهد المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد فجر اليوم صوراً مروعة للضحايا، كانوا صغاراً وكباراً ممددين على الأرض، بعضهم فاضت روحه، وبعضهم على شفير الموت، وآخرون تجري محاولات إنقاذهم برشق الماء البارد عليهم، في حين لم تكن هناك أية آثار لإصابات أو جروح.. وكان الواضح أنها حالات اختناق بالغاز السام الذي أكد خبراء أنه غاز السارين.
في الغوطة كما في غيرها من المدن القريبة، وقعت هذه المجزرة على بعد بضعة كيلومترات من مكان تواجد الفريق الدولي الذي وصل دمشق قريباً للتحقيق في استخدام الأسد للأسلحة الكيماوية في الحرب الدائرة بينه وبين المعارضة.. وأثبتت المشاهد التي بثت أن الغاز المستخدم هو غاز السارين القاتل، اعتماداً على الأعراض التي انتابت الضحايا ممن قتل وممن أصيب.
ما هو “السارين”؟
غاز السارين هو غاز سام شديد التأثير على الأعصاب، سائل يتبخر سريعًا، لا رائحة له ولا لون، وقد اكتشف تركيبته باحثون في ألمانيا عام 1938.
ألمانيا اخترعت الغاز في زمن أدولف هتلر، رفضت بأمر صارم ومكتوب من “الفوهرر” نفسه، أن تكون أول من يستخدمه ضد أعدائها، وهو ما تذكره مصادر عدة عن الغاز الذي استمد اسمه من الحروف الأولى لأسماء من توصلوا إلى تركيبته في 1938 كخليفة لسلفه “تابون” الذي تنشق هتلر بعضا منه حين كان جندياً في الحرب العالمية الأولى.
واستخدمه جيش النظام السوري ضد السوريين في مناسبتين من 3 على الأقل، والثالثة كانت لغاز السيانيد في 13 أبريل الماضي في حي الشيخ مقصود بحلب، وهو ممنوع على أي كان إنتاجه واستخدامه منذ 1993 بموجب معاهدة دولية أقروها.
السارين، الأشد فتكاً 500 مرة من السيانيد القاتل أيضا، اخترعه فريق من علماء ألمانيا النازية بقيادة الطبيب الشهير غيرهارد شرودر وزملاؤه: أوتو أمبروس ورويديغر وفان در ليند، في مركز للأبحاث كان ناشطاً في ثلاثينيات القرن الماضي للتوصل لأسمدة وكيماويات “تهدف إلى القضاء على الجوع في العالم” عبر تخصيب الحيوان ليتوالد أكثر، وكذلك ليتضخم الزرع والنبات، بحيث تصبح حبة البطاطا بحجم البطيخة وحبة الأرز بحجم التمرة والعدس كما العنب، لكنهم حولوه بدلاً من ذلك إلى قاتل للبشر في أيدي من اشتروه وأنتجوه.
والسارين الذي يتحول إلى بخار عند انفجاره، قاتل فوري للإنسان إذا ما دخل جسمه عبر التنشق إلى الرئة “ولو بمقدار ملليغرام واحد، أي 0.02 % من حجم نقطة سائل عادية”، بحسب ما كتبه كثيرون عن الغاز الذي يؤكدون أنه إذا ما تسربت 3 غرامات منه فقط إلى غرفة بحجم متوسط، فإن نصف من فيها سيصبحون جثثا في أقل من دقيقة.
ويكتبون أن قطرة صغيرة من “السارين” على الجلد تسبب التعرق ونفض منفلت بالعضلات. أما التعرض لجرعات فيحدث في الإنسان غشاوة بالبصر وصعوبة بالتنفس مع تعرّق شديد وتقيؤ وإسهال وغيبوبة، ولا يعد الكائن الحي يعي ما حوله، ثم يصبح مشلولا وجهازه التنفسي يفشل تماما فيسقط قتيلا في الحال.
التقارير الغربية المحايدة عن التسلح غير التقليدي تشير إلى امتلاك سوريا لاحتياطي كبير من السارين، يقدرونه بين 800 إلى 1100 طن، وقد يكون الأكبر في الشرق الأوسط، وبعضه تم تحويله إلى ما معدله 150 حشوة في صواريخ سكود، كما تم خلطه مع غاز “في أكس” الفاتك بالأعصاب، بحسب تقرير بريطاني اطلعت “العربية.نت” على ملخص عنه، ويشير إلى أن سوريا أنتجت كميات كبيرة وأدخلت الغاز في قنابل جوية وحشوات صواريخ أرض- أرض، كما وبقذائف مدفعية، وبما لا تعلمه إلا الاستخبارات المهمة، وأهمها “سي.آي.أيه” الأميركية.
وكانت الولايات المتحدة اعترفت في اليومين الماضيين باستخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي ضد المعارضة، وغاز السارين بشكل خاص، من دون أن تلوح في الأفق إمكانية تحرك قريب لمعاقبة نظام دمشق على تخطي “الخطوط الحمر” التي كانت واشنطن تحدثت عنها، لأن الولايات المتحدة ما زالت تجمع أدلة تعزز نتائج توصلت إليها الاستخبارات، وبموجبها تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما أمس أوباما بإجراء “تحقيق قوي” ووجه تحذيراً للأسد بأن استخدامه للكيماوي سيغيّر قواعد اللعبة.
كما أن الأوساط الدولية اعتبرت أن روسيا ستكون شريكة في جريمة إبادة واسعة النطاق في سوريا يعد لها النظام إذا استمرت بدعمها لما وصفوه بأنه نظام لا يتوانى عن استخدام أبشع الوسائل لقمع شعبه، قائلين إن التعامل مع خطر داهم كاستخدام أسلحة دمار شامل لإبادة المدنيين، لا يكون بعد استخدامها، وإنما عند ثبوت توفر السلاح وتوفر الإرادة لاستخدامه، وهما أمران باتا ثابتين على وجه اليقين.
كما أعلنت الأمم المتحدة، طبقاً للوكالات اليوم السبت، أن محققيها المكلفين بالتأكد مما إذا تم فعلا استخدام أسلحة كيماوية في سوريا “بدأوا العمل من الخارج على جمع معلومات وبيانات تفيد تحقيقاتهم”، بسبب استمرار دمشق في رفض السماح لهم بدخول أراضيها، وقال المتحدث باسم المنظمة الدولية مارتن نيسيركي، إن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون “بعث برسالة إلى الرئيس السوري بشار الأسد يطالبه فيها بالسماح لفريق المحققين بالدخول إلى سوريا والعمل فيها من دون عوائق، “وبإعطاء جواب سريع وإيجابي بما يتيح للبعثة العمل في سوريا”.
كذلك فإن العالم السويدي، آكي سيلستروم، الذي تم تعيينه في مارس/آذار الماضي رئيسا للجنة التحقيق، سيصل الاثنين إلى نيويورك لإجراء مشاورات مع مسؤولين بالمنظمة الدولية وسط شبه تأكيد من الخارجية الأميركية عن حالتين استخدم فيهما النظام السارين، بينما تحدث مسؤولون بريطانيون عن 3 حالات بأماكن متفرقة، ولو على نطاق “محدود ولكن متزايد” وفق تعبير رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، ربما لاختبار تجاوز “الخط الأحمر” الذي رسمه أوباما العام الماضي، إذا لم يكن للاستخفاف به واستصغار شرر بدأ يلوح في الأفق بحتمية التدخل العسكري.
أما سوريا فتنفي، وتقول إن “المسلحين” هم من يستخدم السلاح الكيماوي ويأتون به من تركيا، بحسب ما نقلت وكالة “سانا” الرسمية للأنباء عن لسان وزير الإعلام السوري عمران الزعبي اليوم السبت.
وأشار الزعبي إلى “أن السلاح الكيماوي الذي استخدمه الإرهابيون في خان العسل بريف حلب وصل على الأرجح من تركيا” زاعماً أن الادعاءات الغربية بشأن استخدام الجيش السوري لأسلحة كيماوية في مواقع أخرى “لا تتمتع بأي مصداقية”، مضيفاً تأييد سوريا لقيام خبراء روس بالتحقيق.
يذكر أن بريطانيا أعلنت في وقت سابق عن اكتشاف عينات إيجابية لاستخدام قوات النظام السوري غاز السارين، وكانت الخارجية البريطانية دعت دمشق للسماح للأمم المتحدة بالتحقيق بحرية في هذه الاتهامات، وذلك بعد الاتهامات التي وجهتها فرنسا إلى دمشق باستخدام غاز السارين السام.
فقد أعلن متحدث باسم الحكومة البريطانية الأربعاء 5 يونيو أن المملكة المتحدة لديها عينات “فيزيولوجية” تؤكد استخدام غاز السارين في سوريا على الأرجح من قبل نظام بشار الأسد.
وقال المتحدث “حصلنا على عينات فيزيولوجية من سوريا جرى فحصها” في انكلترا و”أثبتت المواد التي تم الحصول عليها من سوريا وجود غاز السارين”.






أضف تعليق