تعرض الرئيس الأميركي باراك أوباما امس لضغوط متزايدة من زعماء العالم لثنيه عن القيام بعمل عسكري ضد سوريا في قمة مجموعة العشرين التي بدأت أعمالها في مدينة بطرسبرج الروسية. وبينما كان مفترضاً ان تناقش القمة قضايا الاقتصاد العالمي، طغى عليها الصراع في سوريا. وتتحرك الكنيسة الكاثوليكية بطريقة غير مسبوقة منذ حملتها لوقف الحرب في العراق عام 2003، لمنع اللجوء الى الخيار العسكري.
ومع تصاعد لهجة التهديد والوعيد، عبرت ثلاث سفن حربية روسية الخميس مضيق البوسفور التركي متجهة الى شرق المتوسط قبالة السواحل السورية. واعلنت وزارة الخارجية الروسية ان وزير الخارجية السوري وليد المعلم سيزور الاثنين موسكو للقاء نظيره الروسي سيرغي لافروف والبحث معه في كل جوانب الوضع في سوريا”.
ميدانيا، قتل في غرب دمشق اربعة اشخاص واصيب ستة بجروح في هجوم بسيارة مفخخة. وتدور اشتباكات عنيفة بين وحدات الجيش النظامي ومقاتلين اسلاميين في بلدة معلولا التاريخية بريف دمشق، بعد هجوم شنه مئات المسلحين على البلدة ذات الغالبية النصرانية.
ودخل زعماء دول مجموعة العشرين في صلب المناقشات المتعلقة بالنزاع السوري، بصفة رسمية خلال مأدبة عشاء في قصر بيترهوف الفخم المزدان بهالة ضوء زرقاء. ووصل الرئيس الاميركي باراك اوباما الداعي الى عمل عسكري ضد نظام الرئيس السوري بشار الاسد الذي تتهمه واشنطن باستخدام اسلحة كيميائية، منفردا الى هذا العشاء البروتوكولي.
ومنذ الافتتاح الرسمي للقمة، اقترح الرئيس فلاديمير بوتين ادراج النزاع في سوريا على جدول اعمال عشاء العمل الذي يخصص عادة للمسائل الاقتصادية، لكنه بات يسوده التوتر الديبلوماسي. وقال: “بعض المشاركين طلب مني تخصيص وقت واحتمال البحث في مواضيع اخرى ملحة جدا في السياسة الدولية وخصوصا الوضع المتعلق بسوريا. واقترح القيام بذلك خلال العشاء”.
ويريد بوتين اغتنام فرصة الاجتماع لإقناع أوباما بالتخلي عن القيام بعمل عسكري ضد الأسد .
ورسم أوباما على وجهه ابتسامة جامدة وهو يقترب من بوتين لمصافحته عند وصوله الى القمة. وكان التعبير على وجه بوتين رسميا كذلك. ولم يبتسم أوباما ابتسامة عريضة إلا عندما التفتا الى كاميرات المصورين.
وكسب بوتين الجولة الأولى في القمة عندما اتخذت الصين والاتحاد الأوروبي والبابا فرنسيس – في رسالة الى زعماء مجموعة العشرين – مواقف أقرب اليه من أوباما في ما يتعلق باحتمال التدخل العسكري ومشروعيته.
ووصف زعماء الاتحاد الأوروبي، وهم في العادة من أقوى حلفاء الولايات المتحدة، الهجوم الكيميائي الذي حصل في 21 آب قرب دمشق والذي يقدر عدد ضحاياه بنحو 1400 شخص بأنه “بشع”، لكنهم رأوا أن “لا حل عسكريا للصراع السوري”.
وقالت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل التي التقت الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بصورة غير متوقعة على هامش القمة: “هذه الحرب يجب ان تنتهي وهذا لن يحصل الا من خلال العمل السياسي”، مؤكدة ان “المانيا لن تشارك في هذا العمل العسكري في اي حال”. ويجتمع وزراء الخارجية لدول الاتحاد الاوروبي اليوم وغداً في فيلنيوس لتوحيد مواقفهم. وقد ينضم اليهم نظيرهم الاميركي جون كيري غداً.
وقبل ذلك، وخلال لقائه رئيس الوزراء الياباني شنزو آبي، قال اوباما ان زعماء العالم اجمع “يتفقون على ان استخدام السلاح الكيميائي في سوريا ليس مأساة فحسب، لكنه انتهاك للقانون الدولي ينبغي تسويته”. ولم يقف مع أوباما إلا فرنسا التي تستعد للمشاركة في عمل عسكري أميركي ضد سوريا.
وصرح الناطق باسم الوفد الصيني كين غانغ بأن “الوضع الحالي يظهر ان الحل السياسي هو الطريق الوحيد” الممكن لحل الازمة.
وليس مقررا ان يعقد بوتين اجتماعا ثنائيا مع أوباما، لكنه أمل في مناقشة موضوع سوريا خلال عشاء العمل مع جميع زعماء القمة.
ويزور الأمين العام للأمم المتحدة بان كي – مون والممثل الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية في سوريا الأخضر الإبرهيمي بطرسبرج كذلك على أمل التوصل الى اتفاق الى عقد مؤتمر دولي للسلام في سوريا. ويشارك الابرهيمي في غداء عمل مع وزراء الخارجية لمجموعة العشرين اليوم.
ووصف السكرتير الصحافي لبوتين دميتري بيسكوف “معسكر المؤيدين لتوجيه ضربة إلى سوريا” بأنه منقسم. وقال: “يتعذر القول ان كثيرا من الدول تؤيد فكرة القيام بعملية عسكرية”.
وسيناقش وزراء الخارجية للدول الرئيسية في مجموعة العشرين – التي تضم كل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن – قضية سوريا على هامش الاجتماع.
وأي قرار لمجموعة العشرين عن سوريا لن يكون ملزماً، لكن بوتين يريد إيجاد توافق على تجنب العمل العسكري في ما سيكون نصرا شخصيا له لكنه غير مرجح.
ومن بطرسبرج، واصل اوباما اتصالاته مع النواب لاقناعهم بتأييد موقفه. واوضحت الرئاسة الاميركية في بيان صدر هناك ان “سفر الرئيس الى كاليفورنيا ألغي. سيبقى في واشنطن للعمل على قرار في شأن سوريا (مقدم) الى الكونغرس”.
وفي نيويورك حملت المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة سامانتا باور بقسوة على روسيا لأنها “تأخذ مجلس الأمن رهينة” وتقطع أي طريق فيه كي تحمي نظام الأسد.
وفي اطلالة هي الأولى لها أمام الصحافيين في الأمم المتحدة بعد تسلمها منصبها الجديد، أفادت باور أن البعثة الأميركية نظمت سلسلة من الإحاطات للدول الأعضاء في مجلس الأمن وغيرهم في شأن “استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية ضد شعبه” في 21 آب الماضي. وقالت إن بلادها حاولت خلال السنتين ونصف السنة الماضية معالجة الأزمة السورية عبر مجلس الأمن، ولكن من دون جدوى. وإذ رأت أن النظام الدولي الذي وضع عام 1945 للتعامل مع التهديدات العالمية “لم يعمل” في موضوع سوريا، بل “حمى امتيازات روسيا، راعية نظام شن أوسع هجوم كيميائي منذ ربع قرن”. ومع ذلك “لا تزال روسيا تأخذ المجلس رهينة وتتهرب من مسؤولياتها الدولية، بما في ذلك باعتبارها طرفاً في معاهدة الأسلحة الكيميائية”. وأضافت أن “ما تعلمناه – ما تعلمه الشعب السوري – هو أن مجلس الأمن الذي يحتاج اليه العالم للتعامل مع هذه الأزمة ليس مجلس الأمن الذي لدينا”، مؤكدة أنه “من مصلحتنا – ومن مصلحة كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة – للرد بحزم على هذا الهجوم الرهيب”.


أضف تعليق