ليست صدفة أو “هِبة” أن تكون الدنمارك الدولة الأقل فساداً بين 175 دولة في مؤشر مدركات الفساد هذا العام (2014) الذي يصدر سنوياً عن منظمة الشفافية الدولية في برلين. فكيف وصلت الدنمارك الى هذا الترتيب بين دول العالم..؟!
في الدنمارك “نظام” نزاهة وطني صارم ومتكامل يراقب جميع السُّلطات، التشريعية والتنفيذية والقضائية، والقطاعين العام والخاص. يُشرف على هذا النظام “الوكالة الدنماركية للتنمية الدولية” وهي هيئة مستقلة استقلالاً تاماً بتمويل حكومي ثابت دستورياً لا يتأثر بتغير الحكومات.
لدى الوكالة صلاحيات واسعة لمراقبة الهيئات الحكومية والخاصة من خلال مستشارين ومراقبين، حيث يعتمدون نظام الإفصاح المالي لكل موظفي الدولة وعلى رأسهم الحكومة برئيسها وأعضائها فهم مُلزمون شهرياً بنشر كل مصاريفهم حتى أثناء السفر بالإضافة الى الهدايا التي يتلقونها.
ولدى الدنمارك أيضاً نظام خاص مُعلن يُفصح بشفافية عن جميع المعلومات الخاصة بميزانية الدولة، كما يُسمح للمواطنين أن يقيّموا أداء الحكومة في التعامل مع الميزانية، وأن يقترحوا أوجه الصرف على المشاريع العامة للدولة.
من جانب آخر تؤكد منظمة الشفافية الدولية على أن الدول التي احتلت مراتب متقدمة في مكافحة الفساد ومنها الدنمارك، يبرز فيها هامش الحرية الواسع للصحافة، ودورها في الكشف عن جوانب الفساد بالمعلومات التفصيلية والأسماء مهما كان منصب المتورط بالفساد، ولعل الحادثة الشهيرة المنشورة سابقاً عن وزير الداخلية الدنماركي توضح بشكل جلي مدى أهمية الصحافة في محاربة الفساد.. الوزير “لارس غاسموسن” الذي اشترى من أموال الدولة علبة “سجائر” واستأجر سيارة تاكسي، وبعد نشر الحادثة في الصحافة، أعاد الوزير الأموال التي صرفها الى الدولة، وقدم اعتذاراً رسمياً للشعب، لكن فعلته هذه عام 2008 كانت من ضمن الأسباب التي أدت الى تراجع نقاط الدنمارك في مؤشر مدركات الفساد من 10 نقاط الى 9,3 .
أما بالنسبة للدول العربية – باستثناء قطر والامارات – إذا ما أرادت أن تصبح كـ الدنمارك فيجب أن تبدي تعاوناً مع منظمة الشفافية الدولية يُتيح لها العمل على أراضيها بحرية كما تفعل أكثر من 90 دولة تستضيف مكاتب خاصة للمنظمة. في الدنمارك مثلاً لدى منظمة الشفافية مخبرين محميين قانونياً لمراقبة السياسيين ورجال الأعمال والهيئات والشركات والوكالات، كما تحرص المنظمة على صيانة الصحافة من الفساد لأنها تعتبر الصحافة رقيبها المباشر في كشف وفضح جوانب الفساد.
ويجب أن تؤمن الدول العربية كما آمنت الدنمارك بأن تنامي ظاهرة الفساد سياسيا واقتصايا وإدارياً يؤدي الى تقويض الديموقراطية، وتغييب إرادة الجماهير في العمليات الانتخابية، وتعطيل عجلة التنمية. وأن انعدام الرقابة والمساءلة والمحاسبة يؤدي الى انفراط عقد النظام العام بما يهدد أمن الوطن والمواطن. والأكيد أن الفساد سوف يتفاقم أكثر في الدول العربية في ظل غياب قوانين حق الوصول الى المعلومات، وحماية كاشفي الفساد، وانشاء هيئات مستقلة لمكافحة الفساد، وتطبيق آليات استرداد الأموال المنهوبة ومحاسبة كل من يسيء استخدام السُّلطة. وقد أجمع خبراء في منظمة الشفافية الدولية أن “الفساد السياسي” المنتشر في معظم الدول العربية يجعل عملية الرقابة والمحاسبة مستحيلة بسبب غياب الحكم الرشيد والديموقراطية وبالتالي الغياب التام لكل تنمية مستدامة.


أضف تعليق