عربي وعالمي

تدعيماً لنظرية المؤامرة
كيف تمّ افتعال قصة انتحار “المحقق الرئيسي” في قضية “شارلي إيبدو”؟

على غرار قضايا وأحداث كبرى كثيرة، وجدت نظرية المؤامرة الشهيرة، طريقها سريعاً لرواية الأحداث وفهمها، خاصة في ظل نشاط شبكات التواصل الاجتماعي التي تتناقل في بعض الأحيان أخباراً غير دقيقة، بهدف الرواج والشهرة، مثل التقرير الذي تعرضت فيه بعض الصحف البريطانية لانتحار الشرطي المكلف بالتحقيق في جريمة صحيفة شارلي إيبدو، ما فتح المجال واسعاً على صفحات التواصل الاجتماعي والشبكات المختلفة لتأكيد وجود مؤامرة وراء العملية.
وفي هذا الإطار نشرت بعض الصحف البريطانية، مثل إندبندنت وتليغراف، خبر انتحار المحقق المكلف بملف الاعتداء على صحيفة شارلي إيبدو، بعد ساعات قليلة من حصول الجريمة، وتناقلت الصفحات والمواقع الخبر، المنقول عن الصحف البريطانية، التي نقلته بدورها عن قناة فرنسا 3، لتتحول القصة في النهاية إلى “تصفية المحقق، لمنع الحقائق الثابتة التي توصل إليها في ظرف ساعات قصيرة”، ومن فضح “تمثيلية شارلي إيبدو” ودور المخابرات الفرنسية فيها بهدف الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، وإظهارهم بظهر المتطرفين، لغاية في نفس ساسة باريس وسادتها.
من ليموج إلى باريس 
ولكن، بالتأمل في الخبر الأصلي، المنشور على موقع فرنسا 3، نجد أن المحقق المنتمي للشرطة الجنائية في مدينة ليموج الواقعة وسط فرنسا، على بعد 400 كيلومتر من باريس، لم يكن المسؤول عن التحقيق في الجريمة، بما أنه من هذه المدينة البعيدة، ما يمنعه من التحقيق فيها أو رئاسة المحققين، وهو الذي لا يكاد يعرف شيئاً عن باريس والدائرة التي وقعت فيها الجريمة، رغم عمله فترة قصيرة بعد التحاقه بالشرطة في قسم شرطة فيرساي، خارج باريس العاصمة.
ومن جهة أخرى لم يكن المحقق مكلفاً بهذا الملف من أساسه، بما أن مسؤولية التحقيق فيها، تعود نظراً لأنها جريمة إرهابية، إلى فرق مكافحة الإرهاب، تحت إشراف الجهة القضائية المختصة، ولا يسمح لا للشرطة الجنائية أو العلمية، أو شرطة مكافحة الجريمة، بالتحقيق فيها.
أقوال 
واعتماداً على موقع فرنسا 3 التي نشرت خبر الانتحار، كان الشرطي المنتحر، موجوداً في إطار الدعم البشري الذي خصصته وزارة الداخلية للمحققين المكلفين بالجريمة، بجمع شهادات الجيران وعائلات الضحايا، في مقر إداري لا علاقة له بساحة الجريمة، ليحصل على معلومات خطيرة أو يضع يده على اكتشاف مثير، يبرر قتله وتصفيته لضمان استمرار “الكذبة الكبرى”.
ويكشف الموقع أن المُحقق الذي التحق بباريس استمع إلى أقوال عائلة أحد الضحايا وانتحر حتى قبل تحرير تقريره عن الأقوال التي استمع إليها، بسبب ما يعانيه منذ فترة من توتر ومتاعب نفسية، بعد انتحار مساعده قبل سنة في ظروف مماثلة بسبب الضغط النفسي على ما يبدو.
ولكن نظرية المؤامرة لم تقبل على الأرجح بالأحداث والوقائع البسيطة مثل رفضها جريمة قتل الشرطي أحمد المرابط بدم بارد، بما أن دماءه لم تتدفق مثل الشلال، في اللقطة التي صورها أحد الهواة من مسافة بعيدة جداً، لتغيب الحقائق وتفسح المجال للأفكار المسبقة، حتى ولو كان ذلك على حساب الحقيقة.