تناولت مديرة برنامج غلوبال ترانزيشين، في معهد ليغاتوم في لندن، الكاتبة آن آبليبوام، في مقالة نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، الواقع البائس الذي يواجهه لاجئون يائسون اتجهوا إلى أوروبا، بشتى السبل، وظاهرة النفاق الذي أبدته عدد من الحكومات الغربية.
وعند محطة قطار في جنوب مورافيا، سحبت الشرطة التشيك 200 لاجئاً من قطار، ووسمت أرقاماً على أذرعهم. وعند حدودها الشرقية، بنت هنغاريا سلكاً شائكاً لمنع المهاجرين من اجتيازه، مما يذكر برأي آبليبوام، بالسلك الشائك الذي حاذى حدودها الغربية إبان فترة “الستار الحديدي” أو “الحرب الباردة”.
وتقول الكاتبة: “على القارئ أن يختار أية صورة، سفن محملة بيهود مرسلين ثانية إلى أوروبا النازية، أو لاجئين يفاوضون مهربين في مقهى في الدار البيضاء، وهذه الصور المعاصرة التي نشهدها اليوم”.
دموع التماسيح
وأضافت الكاتبة “تُذرف دموع التماسيح.. إذ واصلت صحيفة ذا صن تابلويد البريطانية، طوال أكثر من عشر سنوات، مهاجمة المهاجرين من شتى الأنواع. ومنذ وقت ليس بعيد، طالبت الصحيفة رئيس الوزراء البريطاني “برسم خط أحمر على الهجرة”، والآن وبعد نشر صور طفل سوري قذفته الأمواج على شاطئ تركي، طالبت الصحيفة نفسها رئيس الوزراء بالتعامل مع أسوأ أزمة تواجهها أوروبا، منذ الحرب العالمية الثانية. وبعد أن أعلن أنه لا مجال لقبول “مزيد ومزيد من اللاجئين، عاد كاميرون ليصرح الآن، بأن بريطانيا سوف تقبل عدداً أكبر من اللاجئين. وسارع أعوانه لتفسير موقفه بأنه “لم يكن قد شاهد الصور المؤلمة عندما أدلى بتصريحه الأول”.
وتشير آبليبوام إلى حقيقة كون الصور صادمة، ولكنها لا تروي لنا جديداً. إذ بدأ اللاجئون عبور المتوسط منذ أشهر. وغرق منهم مئات. وإن كنا تأثرنا بموت طفل على شاطئ، فلماذا لم نتأثر بموت آخر جراء قصف برميل لمنزله في حلب، ما الفرق؟.
وتقول الكاتبة: “حتى الآن استندت جميع الشعارات حول حلول للأزمة على افتراضات مزيفة، واتجاه عام بأن الدول سوف تقبل لاجئين حقيقيين وليس مهاجرين اقتصاديين. ولكن، كبداية ليس من السهل معرفة الفرق. والأهم منه، هو العدد الكبير للاجئين الشرعيين. فقد أشارت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في يوليو(تموز) بأن هناك أكثر من 4 مليون لاجئ سوري، منهم أكثر من مليون يقيمون في تركيا، و1.5 مليون في لبنان، وهو بلد لا يزيد عدد سكانه عن 4.8 مليون نسمة. وهذا إن استثنيا عدد العراقيين والليبيين والأفغان، وآخرون عانوا أيضاً من ويلات الاضطهاد السياسي أو الديني، فضلاً عن مشردين سوريين لا زالوا يقيمون في سوريا. فكم ستقبل منهم أوروبا؟”.
ومما يزيد الأمر سوءاً، برأي آبليبوام، أن القانون ينص على أن “يصرح اللاجئون عن أسمائهم، في أول بلد أوروبي يصلون إليه، ومن ثم يتقدمون بطلب لجوء، وفق قانون الاتحاد الأوربي. ولكن ما الذي يجري لعشرات الآلاف من الأشخاص الذين يبحرون من طرابلس في ليبيا نحو إيطاليا أو اليونان؟ ونحن نعلم بأن هذين البلدين كانا منذ أشهر يلتمسان المساعدة من جيرانهما دون جدوى. وعندما لم تستطع هنغاريا التعامل مع أعداد غفيرة من اللاجئين، عرفنا كيف استغل فيكتور أوربان، رئيس الوزراء هناك، الأزمة، والمشهور بعشقه للمشاهد المأساوية.
تصريحات نارية
وتلفت الكاتبة إلى أن أوربان كان صادقاً فقط لمرة واحدة عندما قال “لا يريد اللاجئون الإقامة في هنغاريا”. ومن ثم أضاف مهاجماً السياسة الألمانية إنهم “يريدون الذهاب إلى ألمانيا، لأن المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركيل، أصدرت ضجيجاً عاطفياً، وعرضت استقبال المزيد من السوريين، وطالبت دولاً أخرى بحذو حذوها”.
وفي المقابل حيا مجريون السوريون برشهم بالفلفل الأحمر، وأجبروهم على البقاء داخل محطة قطار في بودابيست. وفي المقابل سيكون التاريخ شاهداً كيف بدأ اللاجئون العالقون في هنغاريا ينشدون “ألمانيا، ألمانيا”.
ولكن آبليبوام تشير أيضاً إلى من يمتدحون شجاعة وصدق ميركيل يقرون أيضاً أنها لا تقدم حلولاً طويلة الأمد. إذ حتى لو قبلت أوروبا بأخذ مائتي ألف لاجئ إضافي، وتم تقسيمهم بين دول الاتحاد، كما يفترض، فإن ذلك لن يمنع آخرين من القدوم. ولتجنب اتهامات بالقسوة، أنقذ حراس السواحل الإيطاليين آلاف من الأشخاص، ركبوا قوارب صغيرة مطاطية. ونتيجة لذلك، واصل الناس المخاطرة بحياتهم.
أزمة أمنية
وتقول الكاتبة، هناك شيء لا يريد أحد قوله “إنها أزمة أمنية”. فمنذ سنوات اختار الأوروبيون التظاهر بأن الحرب الجارية في سوريا وليبيا لا تخصهم، بل هي مشكلة آخرين. إنها أيضاً أزمة سياسة خارجية. إذ في عدة مناسبات، ولعدة أسباب، أعاقت جميع الدول الأوروبية الكبرى -بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانياـ اتخاذ سياسة دفاعية وخارجية مشتركة، ونتيجة لذلك، لم يعد لهم نفوذ سياسي ولا ديبلوماسي. لقد رفضوا اتخاذ موقف قيادي أوروبي، كما مانعوا أن تقوم الولايات المتحدة بذلك الدور. فإن أكبر اقتصاد في العالم يعاني من فراغ في السلطة، وليس لديه جيش. والآن باتت نتائج ذلك العجز تدق شواطئ أوروبا.


أضف تعليق