اتهم تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، اليوم على موقعها الإلكتروني، إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما بأنها تبذل قصارى جهدها من أجل “التعتيم” على حقيقة تورط إيران في عملية الاختطاف الأخيرة التي تعرض لها ثلاثة جنود أمريكيين في بغداد، من أجل الحفاظ على التزامها بسياسة “التقارب” مع إيران وتنفيذ الاتفاق النووي الذي يشكل جوهر إرث أوباما للسياسة الخارجية.
وأشار التقرير، الذي أعده كل من ماكس بوت من مجلس العلاقات الخارجية والضابط بالمخابرات المتقاعد بالجيش الأمريكي والمساعد في معهد “هدسون” للدراسات الأمنية، مايكل بريغيت، إلى أن واشنطن تؤجج الانقسام الطائفي ما بين السنة والشيعة في العراق وهو ما يمزق البلاد، كما تغض الطرف عن القوة المتنامية للميليشيات الشيعية، الأمر الذي دفع العديد من السنة بالعراق إلى قبول تنظيم داعش الإرهابي لكونه – في نظرهم – الشر الأخف ضرراً.
اعتقادات واهية
ويستهل التقرير “قبل تنفيذ الاتفاق النووي وعملية تبادل الأسرى، ربما أراد الرئيس أوباما تصديق أن إيران، كما اقترح منذ عام أثناء مناقشة إجراءات اتمام الصفقة، الأن في طريقها إلى أن تصبح (قوة إقليمية ناجحة للغاية) وسوف تلتزم بالمعايير والقواعد الدولية. ولكن مثل هذه الاعتقادات تُعد واهية في مقابل سجلّ إيران الطويل من شن الحرب على الأمريكيين، باستخدام التكتيكات ذاتها في كل مرة”.
ويستشهد التقرير بمحاولة خطف جنود أمريكيين من مقر الحكومة المحلية في مدينة كربلاء التي جرت في 20 يناير (كانون الثاني) 2007 وأسفرت عن مقتل خمسة جنود أمريكيين، وتبين أن الجماعة الإرهابية المسؤولة عن هذه العملية مدعومة من إيران ويُطلق عليها “عصائب أهل الحق”، ويديرها الأخوين قيس الخزعلي وليث الخزعلي، واعترفا أثناء عملية الاستجواب بعد القبض عليهما بمشاركة فيلق القدس الإيراني في التخطيط لذلك الهجوم.
فيلق القدس الإيراني
وينوه التقرير إلى أنه بعد عامين من هجوم كربلاء، تم إطلاق سراح ليث الخزعلي كجزء من عملية تبادل للأسرى مع الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، إذ كان اختطف من قبل خمسة بريطانيين في العراق وقتل أربعة منهم، وعلاوة على ذلك تم أيضاً إطلاق سراح قيس الخزعلى في عام 2010.
يقول التقرير: “للأسف عاد الأخوان الخزعلي لقيادة تنظيم عصائب أهل الحق الذي بات الأن أقوى من أي وقت مضى، ويبدو أنه عاد إلى ممارسة حيله القديمة. وفي 16 يناير (كانون الثاني) الجاري، اختطف مجموعة من المسلحين ثلاثة جنود أمريكيين في بغداد متخصصين في التدريب على خدمة مكافحة الإرهاب وكانوا يعملون مع نخبة وحدة العمليات الخاصة في العراق، التي لا تعتبر الجزء الأكثر فعالية في الجيش العراقي فحسب، وإنما أيضاً الجزء الوحيد الذي لم تخترقه الميليشيات الشيعية من الناحية العملية. وتشير وسائل الإعلام المختلفة أن الجنود الأمريكيين تم نقلهم إلى مدينة الصدر، معقل الشيعة، وعلى الأرجح أن تنظيم عصائب أهل الحق هو المسؤول عن تلك العملية بالتنسيق مع ميليشيات أخرى تدعمها إيران”.
التعتيم على تورط إيران
ويرى التقرير أنه من غير المعقول أن يتم اختطاف جنود أمريكيين واحتجازهم، لاسيما في ظل التداعيات الدولية المهمة لمثل هذا التصرف، من دون موافقة طهران على أقل تقدير، وعلى الأرجح أن الأخيرة قدمت الدعم النشط لمثل هذه العملية.
وعلى الرغم من ذلك، بحسب التقرير، فإن إدارة أوباما تبذل قصارى جهدها للتعتيم على هذه الحقيقة، وذكرت وكالة رويترز أن “واشنطن ليس لديها سبب للاعتقاد في أن إيران متورطة في عملية الاختطاف، ولا تعتقد أيضاً أن الجنود الثلاثة المختطفين تم احتجازهم في إيران التي تقع على الحدود مع العراق”.
ويتساءل التقرير في استنكار: “لماذا تحتاج إيران لجلب الرهائن إلى أراضيها في الوقت الذي تسيطر فيه بالفعل على الكثير من العراق؟ وما نوع الأدلة التي يقبل بها المسؤولون الأمريكيون بمثابة دليل على تورط إيران؟”.
ويجيب التقرير ساخراً: “على الأرجح أن المسؤولين الأمريكيين لن يقبلوا بما هو أقل من براهين على تحدث المسؤولين الإيرانيين مع الرهائن، ولكن للأسف بات أعداؤنا أكثر حرصاً فيما يتعلق بالاتصالات منذ أن كشف إدوارد سنودن عن قدرات الولايات المتحدة الهائلة على التصنت، ومن ثم لن يلوح مثل هذا الدليل في الأفق أبداً”.
ويتهم التقرير الإدارة الأمريكية بأنها واثقة تماماً من هوية المسؤولين عن عملية الاختطاف ولكنها لا ترغب في التصريح بذلك علانية، والدليل على ذلك ما ذكرته شبكة أخبار CBS: “المسؤولون في واشنطن كانوا يأملون من الحكومة الإيرانية إفادة الجماعة الإرهابية بالتأجيل، بسبب كل المفاوضات التي تحيط بعملية تبادل الأسرى التي شهدت إطلاق سراح خمسة أمريكيين. وكان الخوف، كما أشار مصدر في وزارة الخارجية، من أن تذهب إحدى الجماعات الإرهابية إلى ما هو أبعد من مجرد التحفظ على الرهائن”.
وبحسب التقرير، إذا كانت تلك المعلومات دقيقة، فإنها تقترح أن الحكومة الأمريكية كانت لديها بالفعل تحذيرات مسبقة عن خطورة تعرض الأمريكيين لعمليات اختطاف، بيد أنها “اختارت تجاهل ذلك على أمل أن تقوم إيران بكبح جماح وكلائها الإرهابيين”.
إرث أوباما
ويؤكد التقرير على أن الإدارة الأمريكية لا تزال ملتزمة بعمق تجاه سياسة “التقارب” مع إيران، ويوضح “باتت الولايات المتحدة تعتمد على إيران ليس فقط في تنفيذ الاتفاق النووي، الذي سوف يشكل جوهر إرث أوباما للسياسة الخارجية، وإنما تعتمد أيضاً على الميليشيات المدعومة من إيران في العراق لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي”.
ويضيف التقرير: “في الوقت الذي أصرت فيه الولايات المتحدة على بقاء الميليشيات الشيعية بعيداً عن الخطوط الأمامية في معركة الرمادي (التي يتشكل سكانها من السنة)، فإن الولايات المتحدة فضلت أن تغض الطرف عن القوة المتنامية للميليشيات الشيعية”.
ويصف التقرير موقف الولايات المتحدة بأنه “متعجرف” وكان له تداعيات خطيرة، فعندما سمحت الولايات المتحدة للميليشيات الشيعية بأن تعيث في الأرض فساداً ضد خصومهم السنة، ومن ثم باتت واشنطن، برأي التقرير، المسؤولة عن تأجيج الانقسام الطائفي ما بين السنة والشيعة الذي يمزق العراق، ويدفع السنة إلى قبول داعش.
إذعان واشنطن
ويتوقع التقرير أن تشهد الأيام المقبلة المزيد من إذعان واشنطن لانتزاع السلطة التي تمارسها إيران، إذ يستبعد التقرير قيام الجيش الأمريكي بمحاولة لإنقاذ الرهائن الأمريكيين الثلاثة على الرغم من إمكانية تطوير معلومات استخباراتية عن أماكن تواجدهم.
ويرجع ذلك، بحسب التقرير، إلى أن أي محاولة إنقاذ من شأنها أن تضع القوات الأمريكية في صراع مباشر مع وكلاء إيران، الأمر الذي يعرض سلامة جميع موظفي الولايات المتحدة في العراق إلى الخطر، ويهدد أيضاً بانهيار استراتيجية أوباما لاسترضاء إيران.
ويختتم التقرير: “بدلاً من محاولة الانقاذ، من المتوقع أن تحاول إدارة أوباما إبرام صفقة أخرى على غرار الصفقة التي تمت خلال الشهر الجاري لإطلاق سراح خمسة رهائن أمريكيين في مقابل سبعة إيرانيين تم إدانتهم من قبل بالحصول على تكنولوجيا عسكرية حساسة. وللأسف ثمة إشكالية مع مثل هذه الصفقات في أنها تشجع على احتجاز المزيد من الرهائن، فتمت عملية الخطف في بغداد في اليوم ذاته الذي شهد تنفيذ الاتفاق النووي”.


أضف تعليق