القوات السورية تضيق الخناق على القلعة القديمة. الآن تأتي مهمة تقييم الدمار الذي سببه تنظيم الدولة وإعادة بناء المعابد في المدينة.
كريم شاهين من بيروت، وإيما غراهام – هاريسون
السبت 26 مارس 2016
“معابد تدمر الشهيرة سوف تنهض مرة أخرى من رمال الصحراء”، هكذا وعد كبار علماء الآثار في سوريا، بينما كان يستعدون لتفقد كمية الدمار في المدينة القديمة أو ما يمكن إنقاذه من ويلات تنظيم الدولة الإسلامية.
وقال مأمون عبد الكريم، مسؤول شؤون الآثار في سوريا، “لن نترك المعابد مدمرة” حيث أصبحت القوات الحكومية السورية أقرب إلى استعادة واحدة من المواقع الأثرية الأكثر إثارة في العالم من أيدي تنظيم الدولة.
وقال بأنه قد صدرت للقوات المتقدمة تحذيرات بالانتباه للفخاخ المتفجرة التي يمكن أن تسبب المزيد من الضرر للموقع، وأن علماء الآثار يسيرون في أعقاب هذه القوات لبدء العمل المضني لإعادة إعمار المباني من الركام.
واضاف عبد الكريم في مقابلة عبر الهاتف من دمشق، “سوف نقيّم مدى الضرر الذي تعرضت له الحجارة وسنقوم بإعادة استخدامها من أجل إعادة بناء المعابد بشكل علمي”، واعدا بوضع خطة لإعادة الإعمار من الشهر المقبل. وأضاف: “لدينا الخطط والصور، ونحن سوف نقوم بإعادة بناء الأجزاء الناقصة حتى يتم إعادة بناء معبد بيل ومعبد بعل شمين.
فجّر تنظيم الدولة العديد من مباني القلعة الأكثر أصالة وقام بقتل الباحث البارز خالد الأسعد البالغ 82 عاما، والذي قد حفظ ودرس المدينة طوال حياته، وذلك عندما اجتاح التنظيم تدمر في مايو الماضي. وأدت فيديوهات التنظيم لعملية التدمير علماء الآثار حول العالم الى الإحباط.
حجم الضرر كان يمكن أن يكون أسوأ من ذلك، كانت المدينة القديمة ثرية وبناياتها الواسعة بنيت بشكل جيد، وهذا يعني أنه كان هناك حاجة لكميات كبيرة من المتفجرات والعمل لهدم هذه البنايات.
وحسب كيفن بوتشر، أستاذ الآثار الكلاسيكية والتاريخ القديم في جامعة وارويك “الموقع كبير، والتدمير المنظم له بشكل كامل سيكون مهمة كبيرة”. وأضاف: “يبدو كما لو تم استهداف المباني الأكثر شهرة، القوس، القوس، المعابد الأفضل حفظا، وأضرحة البرج الكبير.”
تدمير تماثيل بوذا العملاقة في أفغانستان من قبل طالبان في عام 2001 أبرز حجم الجهد اللازم لتحقيق تدمير واسع النطاق. وقد تم تحقيق ذلك فقط بعد أن أُجبر فريق من عشرين سجينا لقضاء أيام في هدم التماثيل بالمتفجرات، حيث أن إطلاق الرصاص عليها بالأسلحة المضادة للطائرات والقذائف كان له تأثير بسيط عليها.
وعلى الرغم من أن تنظيم الدولة فجر المقابر والمعابد الأكثر شهرة في تدمر، فإنه يبدو أنهم قد تركوا مواقع رئيسية أخرى بدون أن يلمسوها، بما في ذلك المسرح، ساحة البلدة ومفترق طرق تميز بأربع بوابات أنيقة.
وقال عبد الكريم “نحن متفائلون بأن روح تدمر لا تزال هناك”، وأضاف: “نحن قريبون جدا من التحرير. لقد كانت لدينا بعض المطالب والجيش السوري يتعامل بحذر ويتقدم ببطء عبر المنطقة التاريخية لتجنب الأشراك الخداعية أو إلحاق الضرر بالتراث “.
وقد أظهرت لقطات لطائرة بدون طيار أيضا أن المباني الرئيسية لا تزال قائمة، على الرغم من أنه لم يتم بعد تأكيد ذلك، حسب سنا أرو-فاليوس في جامعة هلسنكي، التي حذرت من أن الحصيلة النهائية للدمار لا يمكن إحصاؤها حتى يتم طرد تنظيم الدولة من المدينة. وأضافت: “الوضع في تدمر كان مضطربا لبعض الوقت”.
“في صيف عام 2015، كانت هناك ادعاءات بأن تنظيم الدولة قد وضع متفجرات في المسرح وغيره من الأماكن بحيث يقوموا بتدمير هذه المعالم قبل ان يغادروا، إذا ما اضطروا للتراجع عن تدمر. ويبدو أنهم قادرون على التسبب بالمزيد من الضرر قبل “إنقاذ” تدمر.
عبد الكريم وغيره من الخبراء أيضا يخشون من الضرر الناجم عن عمليات النهب. حيث أنه من المعروف بأن تنظيم الدولة يقوم بتشغيل تجارة مربحة من الآثار المهربة، ومساحات شاسعة من تدمر معرضة بشكل خاص لذلك، لأنها لم تكتشف بعد.
عندما كان يتم حفر القبور والمباني القديمة كان التركيز فقط على استخراج الأشياء الثمينة، لم يفقد العلماء فقط القطع الأثرية التي دفنت في الداخل ولكن أيضا القرائن التاريخية حول العمر والموقع التي يمكن استخلاصها عبر الحفر الدقيق والمنظم، على نحو ملائم.
وحسب سنا أرو-فاليوس فإنه: “من وجهة نظر علمية، فإن جميع المباني التي دمرها تنظيم الدولة في تدمر موثقة توثيقا جيدا إلى حد ما. وإذا ما تمكنوا من نهب المقابر الغير منقب عنها تحت الأرض، والتي نعرف أنها هناك في المناطق المحيطة، فحينئذ سنكون قد فقدنا مادة ومعرفة لا يمكن تعويضها. أما فوق سطح الأرض، ورغم ذلك فالخبراء متفائلون من إمكانية استعادة تدمر ما لا يقل عن مجدها السابق، حتى لو مع فقدان بعض الزخارف القديمة الدقيقة.
وحسب بوتشر، فإن صورا قريبة التقطت لمعبد بعل شمين بعد تدميره تظهر أن هناك العديد من القطع المنفردة من الحجر قد بقيت. وقد تم ترميم العديد من المباني القديمة الأخرى في المنطقة من التشققات، حتى أنه من الممكن تماما استعادتها بطريقة ما”.
أما عبد الكريم، فقد وعد بأن 100 عاما من الخبرة في حفظ الآثار، بما في ذلك الطرق الكبرى والمباني العامة في تدمر، سوف تكون حاضرة فورا، لكنه دعا أيضا إلى دعم دولي.
مضيفا، “يجب علينا أن نرسل رسالة ضد الإرهاب أننا متحدون في حماية تراثنا. وأننا لن نقبل أبدا أن يأتي أطفال سوريا والعالم لزيارة موقع بعل شمين وبيل وقوس النصر بينما هي ترقد في حالة خراب على الأرض. سنعيد بناءها”.


أضف تعليق