عربي وعالمي

أكد أن التوصل إلى انفراج دبلوماسي هو أمر بعيد المنال
مصير سوريا رهينة بأيدي أمراء الحرب ونظام لا يرحم

الصراع السوري”في نواح كثيرة هو خارج عن نطاق السيطرة ومثير للقلق للغاية”، هكذا صرح وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، في أوائل شهر مايو، حيث أحدث دفعة جديدة لإنقاذ الهدنة الهشة منذ شهرين والتي أوشكت على الانهيار.

وعلى الرغم من أن روسيا والولايات المتحدة انقذت وقف إطلاق النار الجزئي، ولا سيما في حلب، فإن هذا الانجاز المتواضع قد يكون ضعيفا جدا ومتأخرا جدا.

مرة أخرى، سيتناقش كيري هذا الأسبوع في باريس ولندن مع نظرائه الأوروبيين حول سوريا، كيري لديه صعوبة في خلق الثقة في الدبلوماسية الأمريكية لإيجاد حل للحرب الأهلية المستمرة منذ ست سنوات في البلاد، وهي المواجهة التي أودت بحياة 400 ألف شخص حتى الآن وتسببت في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

يتوقف مصير سوريا رهينة بأيدي أمراء الحرب الإجرامية ونظام لا يرحم مع أصحاب المصالح الخاصة في الإبقاء على الوضع الراهن. الدول المجاورة المتنافسة تتولى ضخ الموارد، والأسلحة، والكثير من الزخم الذي يغذي الصراع ويطيله.

عشرات الفصائل المسلحة المتطرفة أكثر التزاما في مقاتلة بعضها البعض من مقاتلة بشار الأسد، وهو ما أدى إلى تشرذم المعارضة ونشر الفوضى في ساحات المعارك.

المعارضة المعتدلة، وهي الحلقة الاضعف في السلسلة، تتعرض للضغط الشديد، ما بين مطرقة الهجمات المتواصلة من قبل قوات الأسد، وسندان، الاسلاميين المتشددين مثل الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، إحدى التشكيلات التابعة لتنظيم القاعدة.

ورغم كل الصعوبات، يقاتل الجيش السوري الحر للحفاظ على قاعدته القوية الرئيسية في مدينة حلب، في واحدة من أشرس المعارك في البلاد.وإذا نجح الاسد وحلفائه في قطع خط الإمداد الأخير من تركيا إلى الثوار في حلب، وقد حاولوا القيام بذلك، فإنها ستكون ضربة قاصمة للجيش السوري الحر. وهو ما من شأنه أن يقضي فعلا على محادثات جنيف التي تقودها الأمم المتحدة، وهي العملية الدبلوماسية التي أنتجت قدرا ضئيلا من التقدم الملموس حتى الآن.

مأزق المعارضة يكمن في سد الفجوة بين القدرات العسكرية المتواضعة وارتفاع سقف المطالب السياسية بإزالة الأسد.ليس هناك شك في أن المعارضة المنقسمة والمنفلتة تفيد الأسد، الذي لا يُبدي أي رغبة في اعتزال المشهد أو تقاسم السلطة مع الثوار. الأسد والدائرة المحيطة به رفضوا مرارا جوهر تفاهمات جنيف، والتي تقوم على انتقال سياسي حقيقي من السلطوية إلى التعددية.

على النقيض، تصر دمشق وحلفائها، بما في ذلك إيران وروسيا على الأقل، على تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة من شأنها أن تشمل فقط بعض قادة الثوار المقبولين، تحت سلطة الأسد.

وخاض النظام السوري صراعا بالأسنان والأظافر لإحداث إضعاف جذري في المعارضة الرئيسية وإجبار العالم على الاختيار بين الأسد أو داعش والمتطرفين التابعين لتنظيم القاعدة، وهي الاستراتيجية التي أتت ثمارها.

في نظر المجتمع الدولي، شبح داعش والإرهاب الدولي يقزم الإصرار العالمي لعملية انتقال سياسي في سوريا،على الرغم من تشابك التحديان. بالنسبة لمستقبل الأسد سواء على طاولة المفاوضات في جنيف أو الولايات المتحدة وحتى حلفائها الاوروبيين لم يعد مطلوبا التنحي الفوري للأسد، كما كان في السابق.

وبالفعل، فإن التدخل العسكري الروسي في سوريا في سبتمبر الماضي لم يحدث ميلا في ميزان القوى العسكرية فقط لصالح الأسد ولكن أيضا في أولويات الدبلوماسية.

فلاديمير بوتين كان المهيمن بلا منازع، وحدد جدول الأعمال السياسي، كما تصدر الدور في مكافحة “الإرهاب” وأسند دورا محوريا لجيش الأسد والحكومة.

على النقيض من ذلك، عدم رغبة باراك أوباما وعدم القدرة على الاستثمار الاستراتيجي في سوريا أضعف يده. وعلى الرغم من جهود كيري الدبلوماسية المكثفة، فإن الإدارة الأمريكية بذلك أسندت الدور إلى روسيا، التي أصبحت الآمر الناهي. بوتين غير متشبث بالأسد، حيث صرح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بصراحة، أنه “ليس حليفا لروسيا”.

ومع ذلك، فإن بوتين يعتبر سوريا ورقة مساومة قوية مع الولايات المتحدة، وانه سيجني من خلالها مكافأة مجزية في أوكرانيا مقابل تسليم رئيس الأسد. أوباما رفض حتى الآن استيعاب طموحات بوتين لأنه لا يرى في سوريا مصلحة قومية حيوية للولايات المتحدة.

وعلى هذا النحو، أدى هذا الخلاف بين الولايات المتحدة وروسيا إلى الشلل الاستراتيجي الذي يفضله الأسد ويوفر له الوقت الكافي لترجيح كفة ميزان القوة لصالحه. الدعم الإيراني للأسد والذي لا يتزعزع يعتبر هو الحاسم، ويوفر له هروبا من الأزمة المالية والانهيار، ويواصل تغطية نفقاته العسكري الباهظة. أكثر بكثير من بوتين، أوضح المرشد الأعلى الإيراني القوي، علي خامنئي، بأن الأسد هو”خط أحمر”، وهو بذلك يسكب البنزين في حرب اقليمية شرسة بالوكالة مع المملكة العربية السعودية في سوريا وخارجها.

ومع كل هذه الأسباب الداخلية والإقليمية والدولية، فإن الاحتمالات هي ضد حدوث انفراجة دبلوماسية. إذا هل ستستمر الحرب السورية؟ وإذا حدث ذلك، ما هي التداعيات الإنسانية الكارثية في سوريا على جيرانها، وخصوصا لبنان وتركيا والأردن، والأمن العالمي، لا سيما في أوروبا؟ شبح الصراع طويل الامد، قد يكون المحفز الوحيد الذي يمكن أن يغير من الحالة المميتة في البلد الذي مزقته الحرب.