في الوقت الذي لا تزال القوات الأمريكية والعراقية تضغط على تنظيم الدولة في الفلوجة، فإن أكثر من 50 ألفا من المدنيين لا يزالون محاصرين في المدينة. حمايتهم ليست واجبا أخلاقيا فقط، ولكنها تعد أيضا خيارا حاسما على المدى الطويل للأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
ونتيجة لتقرير جديد صادر عن منظمة (Open Society Foundations)، فإن عدم القيام بذلك سيكون خروجا عن الدروس الصعبة المستفادة من الجنرالات الأمريكيين في أفغانستان.
بحلول عام 2008، قتل الجيش الأمريكي المئات في أفغانستان في عام واحد. اعتمد الجيش كثيرا على الغارات الجوية، والمعلومات الاستخبارية الضعيفة، وأمراء الحرب الذين لم تربطهم مصالح مع الولايات المتحدة الأمريكية. ونتيجة لذلك، كان هناك خطأ في كثير من الأحيان مسببا القتل أو الإيذاء.
وبالإضافة إلى ذلك، ففي الوقت الذي أفشل فيه سقوط الضحايا المدنيين مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان، فإن الجيش الأمريكي اقترف أمورا أكثر سوءا، مسببا ضررا أكبر للمدنيين باحتجاز الأشخاص الخطأ، واستهداف زعماء المجتمع المحلي وتدمير الممتلكات وسبل العيش.
وقد صرح الجنرال في الجيش الأمريكي ديفيد بترايوس والرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي بأن هذه الأخطاء ساهمت إلى حد كبير في تنامي حركة طالبان وتقويض شرعية الحكومتين الأفغانية والأمريكية.
وردا على ذلك، اتخذ قادة الولايات المتحدة تدابير جديدة، وتبنوا سلسلة من الإصلاحات الرائدة التي خفضت بشكل كبير من الإصابات وخففت من الأضرار الناجمة. حيث قاموا بفتح مصادر للمدخلات من منظمات المجتمع المدني مثل (Center for Civilians in Conflict)، وخلق سياسات جديدة لجمع وتحليل البيانات بشكل أكبر وأفضل، واحتاجوا إلى تدريب أفضل لضباط القيادة، وإجراء تغييرات تكتيكية في أسلوب المداهمات الليلية واستخدام القوة الجوية.
الأهم من ذلك، خلق قادة الولايات المتحدة آليات للتعلم من أخطائهم، وسرعة الاستجابة والحد بشكل كبير من الضرر اللاحق بالمدنيين. بالنسبة للمدنيين الأفغان، فإنه يعترفون بجهود الولايات المتحدة للتقليل من خسائرهم ويشعرون بغضب أقل تجاه الأمريكان، ويكمن السبب في جزء منه، لأنهم كانوا يعاملونهم بكرامة. تظهر النتائج التي توصلنا إليها إلى أن هذه التغييرات لم تقيد قدرة القوات الأمريكية على القتال أو الدفاع عن نفسها.
كما قال قائد ايساف السابق الجنرال جون ألين: “كيفية التعامل مع المدنيين هو قوة مضاعفة بالنسبة لنا، وقوة ذم للعدو”. للأسف، لم تطبق الولايات المتحدة تماما هذه الدروس في عملياتها في العراق وسوريا، أو في أي مكان آخر. كما أنها لم تطالب شركاءها بتبني نفس الإصلاحات.
وفي الوقت الذي أصبحت فيه الولايات المتحدة أكثر اعتمادا على القوات المسلحة المحلية لإجراء عمليات مكافحة الإرهاب، فإن فشلها في حماية المدنيين يشكل مخاطر استراتيجية جادة على أهداف الولايات المتحدة.
في العراق وسوريا، شنت الولايات المتحدة أكثر من 9 آلاف غارة، لكنها اعترفت فقط بسقوط 41 حالة وفاة بين المدنيين. إذا كان ذلك دقيقا، فإن هذا الرقم يشكل انخفاضا بنسبة 94? في معدل القتلى من المدنيين في كل غارة جوية مقارنة بضرباتها الجوية في أفغانستان.
هذا التفاوت المحتمل يسلط الضوء بأن الجيش الامريكي لا يزال لديه ما يفعله للتأكد من أنه لا يزال يتعلم فيما يتعلق بإيذاء المدنيين خارج أفغانستان. في اليمن، يتم مساندة الضربات الجوية السعودية من قبل المخابرات الامريكية إضافة إلى الدعم اللوجستي والسلاح.
لقد سقط الآلاف من المدنيين وأدى إلى وقوع كارثة إنسانية. وسط مزاعم ذات مصداقية بشأن جرائم حرب مقترفة، ولا تزال الولايات المتحدة تخاطر بتقويض مصالحها الاستراتيجية بالمساهمة بطائرات بدون طيار مسلحة وقوات خاصة أمريكية.
لقد أوضح الرئيس أوباما التزامه بتحسين الشفافية والمساءلة عن عمليات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة. يجب على المسؤولين الأمريكيين أن يترجموا هذا الكلام إلى واقع ملموس من خلال خلق سياسة موحدة بشأن حماية المدنيين في وزارة الدفاع، التي تغطي جميع العمليات الأمريكية، وإدماج جهود وزارة الخارجية، لمتابعة الأضرار المدنية، وتحليل البيانات، ومساعدة القادة على تطوير أساليب عمليات أفضل وأكثر فعالية. وهذا يعني تكوين فرق جديدة، لدى مقاتليها أوامر دائمة بتحليل الموقف وتخفيفه، وتقديم البديل عن مسببات الضرر الواقع على المدنيين.
هذه المعلومات، كما فعلت في أفغانستان، قد تعود بنفع كبير على قادة الولايات المتحدة على أرض الواقع. هذه السياسة الجديدة أيضا ستدعم جهود حماية المدنيين التي تقوم بها القوات الحليفة للولايات المتحدة، التي أصبحت بشكل فعلي محور استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب. وكما قال الرئيس أوباما، ليس هناك حل عسكري لمواجهة التهديدات الأمنية مثل تنظيم الدولة.
بدلا من ذلك، فإن الاستقرار السياسي على المدى الطويل يعتمد على شركاء الولايات المتحدة على أرض الواقع، وعلى السياسة التي يتم انتهاجها في أماكن مثل الرقة أو الموصل بعد دحر تنظيم الدولة. الدعوات الموجهة للولايات المتحدة لشن حملة قصف بشكل مكثف، لقتل عائلات الإرهابيين وتعذيبهم تنذر بالخطر ليس فقط على قيم الولايات المتحدة، ولكن أيضا على الدروس التي تعلمها جنرالات الولايات المتحدة في أفغانستان.
وقال نائب مساعد وزير الدفاع السابق ديفيد سيدني:”أنا مؤمن بالاستثنائية الأمريكية”،”ولكن فقط إذا واصلتم إثبات ذلك”.
الحكومة الامريكية لديها فرصة لإضفاء الطابع المؤسسي حقا من دروس الماضي، وذلك ببناء جيش أمريكي أكثر ذكاء، أكثر إنسانية، وأكثر استراتيجية، جيش جاهز لإثبات الاستثنائية الأمريكية الآن، وفي الصراعات المستقبلية.


أضف تعليق