سبر القوافي

جياع .. سقط المتاع

لن يتوقف أحد لالتقاطه، لن يأبه له أحد من المارين، لا مجال لأن يركن في الجانب الأيمن، ولا توجد نظرة خلفية أو أي التفاتة جانبية خلف غبار إطار عربة الشاحنة، لن يكون هناك أحد يقف لينقذه. 
لقد استباحت كل اختياراتي، لم تترك لي إلا خيار القبول، أي رحم كهذا أنا معلق به؟ لا أعلم! كانت ترميني إلى أي عمل تراه أمامها بغض النظر عن المواءمة المهنية، ذلك لا يهم، المهم هو الأجر وإن لم يكن العمل مناسباً، لكن ذلك لم يرضِ طمعها أو خوفها، فأرادت أن ترمي أجيراً آخر يجلب لها أجراً مضاعفاً، فكان أخي الصغير ياسر. رفضت ذلك، فأصرت هي، وكالعادة خضعت لإصرارها، وتنعمت بالقبول المر.
بهروب من رطوبة الجو كنا ننام أنا وياسر على سطح منزلنا، وبعدم الرغبة في مجاورة مكان نومنا كانت أمي تنام في الأسفل، كانت تبتعد حتى عن مكان نومنا، كأننا نذكرها بآلام تخاف أن تخرج لها في أحلامها ليلاً.
وقفت في الصباح متجهمة بسبب تأخر استيقاظنا، كالوتد الأسود كانت تسير ونحن خلفها، تلتفت بين خطوة وأخرى لتتأكد من وجودنا، تغطي فمها بطرف غطائها الأسود، فذلك سترها. اقتربت منها وياسر ممسك بطرف قميصي من الخلف: أماه.. أماه.. لا يزال ياسر صغيراً على العمل، لماذا تخاطرين به؟ لماذا يا أماه؟ أرجعيه يا أماه أرجعيه أرجوكِ!
كانت تستحثّ خطواتها منكبّة على نفسها جاعلةً أسواراً حول نفسها، لا تستمع إلا لصدى صوتها فقط، صارمة كعادتها، متجهمة دائماً، لا سرور بروحها، أحياناً وهي تسلّمني لطاولة نجار أو كرسي دكان أو كير حداد كنت أنظر لبطنها: أحقاً كنت معلقاً في أحشائها؟ أو كنت عملاً غير صالح؟
كانت الشاحنات تصطف في آخر القرية مستعدة لنقل العمال إلى الحقول المجاورة، فقد حان موعد حصاد القطن، وأصحاب الحقول في أمسّ الحاجة إلى الأيادي العاملة، الأيادي فحسب، وذلك لتجني لها حصاد عامهم المنصرم، ولا يوجد أفضل من أيادي الجياع، فكروش المُلّاك تمتلئ بما تجنيه أيادينا، نعم وتبقى بطوننا جائعة.
بعد مساومة سريعة تسلّمت أجر يدي ويد ياسر مقدماً بعدما أغضبت التاجر بطول المساومة، لكن نفس والدتي طويل في ذلك أكثر مني. التفتت إلينا بصوت كأنه الوداع، وجهت كلماتها لي أنا بالذات، كانت كلمات جديدة: “انتبه لأخيك جيداً، لا تغفل عيناك عنه، لا تعملا إلا في حقل واحد، بعد شهر بالضبط سوف أنتظركم في هذا المكان”، ومضت بخطوات متثاقلة كأنها تدوس أحشاءنا، لكن لم هذه المرة لم تلتفت خلفها؟
امتلأت الشاحنة بالكامل، يقودها التاجر بعدما سلك طريقاً ترابياً بين الحقول، جذوة نار أشعلت في رؤوس الجميع من شدة الحر، وياسر لا يزال ممسكاً بيده الصغيرة طرف قميصي، منظره البريء كم كان يستعبرني، رائحة العرق بدأت تفوح من الجميع، كنا في شبه اختناق، نظرات التفحص بدأت تتصوب تجاه ياسر بالتحديد، بالرغم من حركة اهتزاز الشاحنة إلا أن ذلك جعلني أمحص في وجوه كل من حولي، أعرف وجوههم، وجوه الجياع أعرفها تماماً، ملامحهم تريبني دائماً، لم استرح لنظراتهم، كانت نظراتهم تتقاسمها نوايا سوء كامن أو تعاطف جاف، الهمسات بدأت تتسرب، ثم انطلقت، أحدهم: “لا يزال هذا الطفل صغيراً على مشقة العمل في الحقول، انظروا لوجنتيه الورديتين كأنهما لم تستقبلا أشعة الشمس من قبل”. “إياك أن تقترب منه أيها الكلب”، قلتها له بعدما وضع يده الحقيرة على شعر ياسر يتحسسه. “أتنعتي بالكلب أيها الحقير؟”، كان يرد علي بعدما دفعته. “اهدؤوا اهدؤوا”، كان ذلك أكبرهم، وهو يتخطى الجموع: “إنه أخوه، وقد أغضبه تحرشكم المقيت بأخيه الصغير، هذا ليس ولداً، قد يكون بنتاً جميلة متخفية”، وأطلق ضحكة ميتة بين أسنانه الصفراء القذرة، فبادله الجميع الضحكات الحقيرة: “إذن يجب أن نتأكد من أنه ولد أو بنت”، قالها أحدهم، فوضعت ياسر خلفي بعدما أجهش بالبكاء، وصرخت فيهم: “أيها الكلاب.. إياكم أن يقترب أحدكم منا إياكم”، بدأت أتراجع إلى آخر الشاحنة وهم يقتربون، فتقدم أكبرهم وتشابك معي، وتقدم الجميع نحونا، ولم أشعر إلا والكل يتوقف فجأة، لقد سقط ياسر من الشاحنة على الأرض، لم ألمح إلا غبار سقطته من بعيد وهو ملقى لا يتحرك، والشاحنات التي تسير خلفنا تتجاوزه لكي لا تقوم بدعسه دون أن يتوقف له أحد.
ثار جنوني، وقمت أوجّه إلى كل من حولي ضربات عشوائية، وأنا أصرخ بالجميع وأتجه لمقدمة الشاحنة: “توقفوا توقفوا”، أخذت أضرب على النافذة الجانبية للسائق بأن يتوقف، فتح النافذة وهو لا يزال يقودها، وصرخ بي: “ما الأمر؟ ما الذي حدث؟”. “أرجوك توقف، لقد سقط أخي من الشاحنة، أرجوك توقف”، قلتها وأنا أبكي. “أيها الأحمق لن نؤخر حصادنا بسقوط أحدكم”، قالها وأغلق النافذة.