هاكم قصة الحاجة فهمية مغربل (أمّ نزار)، أكبر معمّرة في أحياء حمص المحاصرة، التي اغتيلت على يد قنّاص أسدي، بينما كانت تبحث عن طعام لحفيدتها اليتيمة.
بسنواتها الخمس والتسعون تتكئ على عكازها وتمضي ساعية لإيجاد لقمة تسد رمقها ورمق ابنة ابنها الشهيد. عانت مرارة الحصار في أحياء حمص القديمة على مدى عام ونيف، بكل ما طوته لياليه من حرمان وجوع.
بخطوط وجهها المسنّ كانت تحكي لنا قصصا وحكايا لمدينة صغيرة دافئة الود، لدروب أليفة الزوايا، ولشعب أصيل طيب كما ترابه. بانحناءة ظهرها كانت تحمل هموم شبان يافعي الأحلام كزهور نيسان، وآلام طفولة معذبة مبتورة الحقوق.
إنها أمّ نزار، أكبر معمرة في أحياء حمص المحاصرة، بابتسامتها التي أنهكتها حلكة السنين. كانت ترسم الطريق لأمل بالنجاة على رغم كل الصعاب. بكلماتها الطيبة كانت تبث في النفوس روح الصبر والصمود.
ما فتئت ترفع صوتها علّه يخترق جدران الحصار ويصل إلى قلب من بقي لديه قلب، مطالبةً بفك الحصار.
في أحد لقاءاتها تناجي من بقي لديه ضمير قائلة: “يا خيي افتحولنا ها الطريق. يا ماما عمري خمس وتسعون. اتكركب مشان لقمة. والله ما عندي لقمة أكل، ولا عندي حدا يجبلي لقمة أكل. افتحولنا الطريق لها الاطفال الصغار، بدون دكاترة بدون لبس. حرام بدون حليب. ابن اربعة شهور وقع الحيط فوق أمّو، وما عاد فيا حليب. من وين بدنا نجيب حليب؟! والله وما عم نلاقي. هاد طفل يا أمي. بهون عليكم يروحوا هالاطفال هيك؟ وأخواتو هيك زغيرين بالزلط حفايا عرايا”.
طالبت بالغذاء. طالبت بالدواء. طالبت بفك الحصار عن حمص، لكن صوتها تاه في سراديب صمّاء لا قلب لها.
أحبّت الحاجة فهمية مغربل (ام نزار) الله، فأحبها واجتباها إلى جنبه، فنالت الشهادة برصاص قناص غادرة بتاريخ 5-9-2013، رصاصة عمياء شرهة للدماء الزكية، لتنال روحها الحرية وتحلق بعيدا عن اسوار حصار طالت لياليه.
كانت تبحث عن لقمة تسدّ بها رمق حفيدتها، فأرداها القنّاص، براطة جأشه المعهودة.
هكذا انتهى حصار أكبر معمرة في حمص المحاصرة… برصاصة.
أم نزار لم تكن أولى ضحايا الحصار وآلة القتل الأسدية ولن تكون الأخيرة. ولكن أليس من حق ابنة الخمس والتسعين التي كانت تسعى في الأرض، أن تتساءل: بأي ذنب قُتلت؟
أليس من حق مئات الأرواح المحاصرة داخل حمص القديمة أن تتساءل كيف ينتهي الحصار؟ أيكون الموت هو الطريق الوحيد لتحرير هذه الأرواح؟ أتبقى كل مجالس الثورة العسكرية عاجزة أمامه؟ أيستمر صمت المجتمع العربي والدولي المطبق حيال ما يجري خلف حدود الموت؟
تستمر آلة الموت الأسدية بدهس الأجساد وتمزيقها وتشتيت الأحلام على امتداد الأرض، ولا أمل يلوح في الأفق. لكن تلوح من قلب العتمة والدمار واليأس، العبارة – الأيقونة للثورة السورية “يا الله ما لنا غيرك يا الله”، ليستمر الصبر ويستمر الصمود.


أضف تعليق