أقلامهم

المليفي يكتب عن سقوط “هالة” الفهد

الأغلبية الصامتة: سقوط الهالة

إبراهيم المليفي

هناك لحظة فاصلة حاسمة في حياة الأنظمة والشخصيات العامة والعادات الموروثة لأجيال، تسقط فيها الهالة المحيطة بهم لتبدأ في أعقابها مرحلة النهاية أو التحجيم ووضع الأمور في مقاسها الصحيح، ففي الستينيات كان من المحرم نقد الرئيس جمال عبدالناصر حتى وقعت فضيحة حرب يونيو، ومن يومها حتى اليوم تحول الرئيس عبدالناصر إلى نكتة هو ونظامه رغم أنه رحل عن حياتنا منذ 40 سنة وأكثر.

في الثمانينيات خصوصاً هنا في الكويت كان من المخاطرة نقد التيارات الدينية الصاعدة، لاسيما «الإخوان المسلمين»، لأن ذلك مربوط بنقد الدين نفسه ومن يرد الوصول إلى الأعلى فليس عليه سوى التمظهر بالتقى والورع في عمله والديوانية، وكذلك الدعاء للمجاهدين الأفغان بالنصر، لأن مؤسسات الدولة بأسرها «تأدينت»، وما إن وقع الغزو العراقي للكويت واكتشف الكويتيون طيب عدالة الجماعات الدينية وفوقها مرئيات القوميين والاشتراكيين، حتى تهاوت هالتهم، ولم يعد أحد يخشاهم لا في عالم الدين ولا في عالم السياسة.

في تونس بن علي، وهي الأولى عربيا في ترتيب أنظمة القبضة الحديدية، سقطت الهالة فجأة على يد البوعزيزي ليكتشف الشعب التونسي الذي تشرب الظلم والقهر أن اللحظة التاريخية قد حان موعدها، وأن النظام الفاسد متآكل منذ زمن ولا يحتاج إلى أكثر من «عربة» لدفعه إلى مزبلة التاريخ، ونفس الشيء حصل في مصر التي أشيع لزمن أن شعبها قابل «للمط» وسيصبر إلى ما لا نهاية، وفي لحظة الحقيقة تمدد الشعب للمرة الأخيرة، ولكن حول رقبة النظام حتى فقد الوعي وسقط مضرجاً بفساده.

فتاة سعودية هي منال الشريف فعلت معجزة بمقاييس مجتمعها الذي تهيمن عليه المؤسسة الدينية المتشددة هي قيادة سيارتها في منطقة الخبر، وهو أمر محظور في السعودية، ولأنها اختارت اللحظة «الصح» في زمن تهيأت له ظروف الإصلاح والقيادة المتفهمة، فإن تلك الفتاة ثقبت فتحة بحجم رأس الدبوس في السد الاجتماعي المغلَّف بفتاوى التحريم؛ ستكون كافية مستقبلاً لانهياره بعد أن انهارت هالة الخوف.

الهالة، وهي ستارة تعمي العيون وتخدر العقول، أحاطت بالوزير الشيخ أحمد الفهد لفترة، وهو بحق كان وما زال يعد من أفضل كوادر الأسرة الحاكمة الشبابية من حيث القدرات الشخصية وشبكة تواصله الاجتماعية، وفوقها تمرسه في الخدمة العامة سواء من خلال مناصبه الرياضية أو من خلال عمله في الحكومات المتعاقبة.

«بوفهد» وطوال مسيرته الرياضية والسياسية حاز إعجاب الكثيرين، وكيلت بحقه المدائح والألقاب حتى وهو خارج الحكومة، ومنذ عام 2009 يرجع الكثيرون وأنا منهم، فضل استقرار الحكومة السادسة ونجاح وزرائها في عبور جلسات طرح الثقة إلى تكتيكات الوزير الفهد حتى سقطت بعد أن تحول الضغط النيابي للفهد نفسه.

ما حصل في جلسة يوم الثلاثاء الماضي لا يعنينا كثيراً لأن تطاحن أبناء العمومة موجود منذ زمن، لكنه بالأمس خرج إلى العلن بصورة غير مسبوقة، وانتقال فريق الفهد إلى الضفة الثانية لا يعني أن المعركة قد انتهت وحان موعد رحيله، بل ما أراه هو أن المعركة قد بدأت ومن الداخل لأن الفهد هو الذي «لاعب» حكومات سمو الرئيس حتى دخلها مجدداً، فسجلت الحكومة السادسة أطول أعمار حكومات الشيخ ناصر المحمد!

ما حصل هو أن الوزير الفهد فقد هالته الإعلامية والكاريزمية بعد أن ثبت أنه لا يريد التعامل مع حقيقة أنه معرض للمساءلة؛ مع أن رئيسه صعد المنصة قبله مرات، كما ثبت أنه يعمل بقدرات بشرية قد تتوافر في وزراء آخرين، وهو إن تمكن من عبور استجوابه فلن يستطيع استعادة الهالة التي اكتسبها لزمن طويل.

الفقرة الأخيرة

يبدو أن سمو الرئيس بات قادراً على توفير الأغلبية النيابية دون الحاجة إلى وزير التنمية.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق