سبر القوافي

أنا صحيح بدون جنسية .. لكني لست بدون وطن (2-2)

 في الأسبوع الماضي تحدثت عن باقة شعراء الكويت البدون، وأهمية وجودهم بجميع الصفات المتاحة في بلدهم الكويت، وذكرتُ المبدعين: سليمان المانع وسعدية مفرح وعلي المسعودي وفهد عافت وسليمان الفليح ومحمد النبهان.. ودائماً لمثل هذه الأحاديث بقية، مادامت تلك القضية إنسانية وتهم أي عاقل يحمل بين ضلوعه قلب ينبض، لا شك بأنه سيهتم ويلتفت بشكل دائم لها.

يقول أدونيس :”الإنسان لا يرث هويته بل يخلقها”، والهوية هنا تتكون بالابتكار والعمل والإبداع، ولكن لا تتكون الهوية قبل الانتماء لمكان ما في هذه الحياة، و قبل الالتصاق به والنمو بتربته، فانتماء أي إنسان لبقعة ما يأتي قبل  توافر مصالح الشخص الجسدية والنفسية والعاطفية والاجتماعية.. تلك أمور تتوفر بما يسمى الوطن وهو أول حجر لتكوين شخصية الإنسان، لذا فالوطن مازال حديث الروح وملجؤها.. ننشغل به ويشغلنا عن ما يحيطه.. نهتم لمصالحه لأنه اهتم بنا أولأنه سيهتم بنا.. أي مستقبلنا من مستقبله.. وفقرنا من فقره.. وحياتنا من حياته.. ولكن كيف لو أن ذلك الوطن خلق حاجز بين مستقبلنا ومستقبله وأصبح ما يعنيه لا يعنينا .. ومصيره لا يتعلق بمصيرنا.. ماذا لو تعلقنا بأطرافه وربطنا مستقبلنا به وهو لم يعترف بذلك، بل قطّع جميع أطرافه لكي لا نتعلق بها..و جعلنا خارج دائرته القانونية والودية والوطنية، و أخرجنا من نسيجه الاجتماعي بشكل عام!..  

 كذلك هو حالهم رسموا مستقبل وعاشوا على أمل تحقيقه مع هذا الوطن الذي هو وطنهم، لكنه شيّد أسوار بلا أبواب لكي لا يدخلوه.. لكي لا يرتاحوا بأحضانه ويرهقوه.. لكي لا تغمض أعينهم بطمأنينة  فيزعجوا نسيجه.. بل ترجف بطونهم من جوع العاطفة وجوع الأمان ويعتبر هذا حقهم.. بل منعهم بأن يمارسوا طبيعتهم البشرية، رفض أن يعترف ببشريتهم منذ بداية نشأتهم إلى نشأة أبنائهم وتعليمهم ومرضهم وأكل عيشهم.. إلى مماتهم، وكل ذلك كأنه لم يكن بالنسبة لهذا الوطن .. 

كيف باستطاعة روح أن تسبح بخيالها لتخلق وطن.. وهو لا يريد أن يعلم متى خُلقت تلك الروح..

 لكن أولئك  احتضنوا ذلك الوطن وبرّوه رغم تقصيره.. وتحملوا جفاءه.. فلم يمروا على مرحلة الضياع.. بل مروا على مرحلة العتب والاغتراب الداخلي.. لذا فهم ظهروا أمامنا بمرحلة تكوين الهوية وهي الإبداع والابتكار والعمل . ظهروا بهويات لا يمكن لأحد أن يعلم بأنهم مازالوا متعلقين بأطراف الوطن المقطوعة.. الوطن الذي نبت أطراف جديدة ليرفع عليها من هو لا يمثله.

  وهنا تبدأ الأسئلة التي لم تلق ضالتها إلى الآن، كيف لوطن أن يهدر ثروة، كيف لأم ألاّ ترعى ابنها المميز وخاصيته التي لا تتكرر، كيف لها ألا تفخر به وتتباهى بإنجابه، كيف لها أن تستبدل”الذي هو أدني بالذي هو خير ” … من أشباه الفنانين التي احتضنهم كمواهب نادرة وهم ليسوا بذلك بل غثاء منتشر لا خير فيه  ولا رجاء منه.. ولا يفتخر بوجوده بيننا.. تركت من يتغزل بها من بعيد وقريب.. يناديها بحروفه التي تخالط عذوبتها نرجسية عزته ورفضه للذل.. وتذوب بمعانيها لهفة يده للمس ترابها.. وتشهق أبياته من شوقها لرائحة بحرها.. يبكي أنين غربته بوطنه ويسد أنفه من رائحة الذل بنكرانه وتجريده من إنسانيته.. ( دخيل الخليفة) أحد أزهار تلك الباقة التي لم أتحدث عنها سابقاً، عزف على ذلك الناي إلى أن أحزن الحزن وأبكى الحجر و وطنه مازال محتفظ به دون عناية، يقول:

“خطاي تشلُّها الغربة 

بقلبي مات إنسان 

فقير لا يرى دربه 

أنين السوط 

يصرخ تحته جسدي 

فمن جوع إلى وجع 

حملت تشردي بيدي 

لقد ضيَّعت ميلادي 

وأرضا في مهب الريحِ 

تكْنس عظْم أجدادي ” 

 تهافتت الدول بخطف تلك الزهور، وتزينت بها.. من ذكائهم أن يخطفوا كنوز لا تعي قيمتها أصحابها، ولكن ليس من الصحيح تجريد هؤلاء المبدعون من منبعهم وموطنهم، لأنهم ذهبوا لدول أخرى وزّنت قيمتهم واحترمت إنسانيتهم وقدّرت إبداعهم الذي لا يتكرر. فهم أبنائنا ولو نكرهم القانون، لكن لن يستطيع تراب هذه الأرض نكرانهم ولا الشوارع تستطيع أن تنكر مرورهم وطفولتهم، وشبابهم.. وعذابهم.. وتشردهم في منازلهم…

 أحد هؤلاء المواطنون الأغراب.. فنان مصور فوتوغرافي، كل صورة له هي قصيدة عذبة المعاني موزونة القوافي تسحر وتُحزن ذهب ليطمئن في حضن ( أستراليا) ولكن ذهب وقلبه معلّق في منزله بين أمه وإخوته.. ذهب لكي لا تسرقه السنين وتطحنه وتنثره هباءً دون تقدير ودون مستقبل ودون حياة كريمة.. ذلك الإنسان هو (علي المبهر)..

   في ظل هذا الوطن البارد الجاف، من الضروري ومن البديهي أن يبحثوا عن الدفء والاستقرار والطمأنينة، تلك هي الطبيعة بأن يبحث المخلوق عن الأمان أينما وجد ليتطيع أن يكون هويته وماهيته الفكرية، لا أن ينشغل بترقب الخطر في كل دقيقة.. ولكن من المؤسف أن يكون أمانهم خارج بلادهم وخوفهم على أنفسهم ومستقبلهم وطاقاتهم يكبر وهم داخله، تلك قضية إنسانية مازلت أرأف بمن يراها بعين الحسد أو القلق أو الريبة والشك  للكويتيين البدون وبإنسانيتهم وحقوقهم بشكل عام، ومبدعيهم بشكل خاص .

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق