عربي وعالمي

هل تنجح بريطانيا في إقناع أميركا والصين بإنقاذ العالم من كارثة بيئية؟

لم يخطئ رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عندما وصف المؤتمر الـ26 للأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “كوب26” (COP26) الذي تستضيفه بلاده في مدينة غلاسكو بأنه “حدث جيوسياسي بالغ التعقيد”؛ فالقمة التي تجمع 130 قائدا عبر العالم تعتبر أكبر تجمع دبلوماسي لمرحلة ما بعد جائحة كورونا.

وتأخذ المملكة المتحدة على عاتقها مسؤولية كبيرة في إقناع قادة الدول بالالتزام بالوصول إلى خفض درجة الاحتباس الحراري إلى 1,5 درجة مئوية بحلول عام 2030. وهذا الهدف من المستحيل الوصول إليه من دون اتفاق واشنطن وبكين، وهنا يكمن تعقيد المهمة بالنسبة للدبلوماسية البريطانية في الجمع بين قطبي العالم، وانتزاع التزامات حقيقية منهما.

وتركز عدسات المصورين على الكثير من اللقطات التي ستجمع قادة العالم، رغم غياب دولتين من بين الأكثر تأثيرا، ويتعلق الأمر بكل من الرئيس الصيني شي جين بينغ، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما ستكون الأعين مصوبة على الرئيس الأميركي جو بايدن.

واستعدت بريطانيا كثيرا لهذه القمة، ولا سيما بعد انسحابها من الاتحاد الأوروبي، إذ يسعى رئيس الوزراء بوريس جونسون إلى بث رسالة للأوروبيين أن بلاده قادرة على قيادة الدبلوماسية العالمية في مجال حماية المناخ، وحشد الجهود الدولية في هذا المجال، من دون الاستناد على التكتل الأوروبي.

وتُعد القمة أول اختبار حقيقي لشعار “بريطانيا العالمية”، الذي أطلقته الحكومة البريطانية لرسم صورة البلاد بعد مرحلة “البريكست” (اتفاق الانسحاب من الاتحاد الأوروبي)، بينما سيكون تقريب وجهات النظر بين الأميركيين والصينيين امتحانها الأصعب.

واستدعى بوريس جونسون بلاغته السياسية وهو يخاطب قادة مجموعة العشرين الذين اجتمعوا في روما، لكي يحذر من فشل قمة غلاسكو للمناخ، ومن تداعياتها على نقص الماء والغذاء وتدفق المهاجرين.

وربط جونسون بين سقوط الإمبراطورية الرومانية من جهة، وتدفق المهاجرين وعدم القدرة على التحكم في قدوم “المهاجرين من الشرق ومن مناطق أخرى فانهارت الإمبراطورية ودخلنا عصر الظلمات التي دام لوقت طويل” من جهة أخرى، مؤكدا أن عدم نجاح القمة يمكن أن يدخل العالم في عصر مظلم جديد.

ويحل الرئيس الأميركي جو بايدن قائدا لقمة غلاسكو، في ظل غياب نظيريه الصيني والروسي، ومعه يطل شبح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سبق وانسحب من اتفاقية باريس للمناخ.

وتواجه بايدن 3 تحديات كبرى:

أولها: التوصل لاتفاق مع الصين حول ملف المناخ؛ وهنا تظهر معضلة رفض الإدارة الأميركية الفصل بين الملف البيئي وبقية الملفات، في حين تقول الصين إنه يمكن تحييد الملفات الخلافية الأخرى، ومن بينها الملف الحقوقي، من أجل التوصل لاتفاق في ملف المناخ.
أما التحدي الثاني، فهو ظِل دونالد ترامب الذي يطارد بايدن وتخوف عدد من الدول والفاعلين في مجال البيئة من إمكانية عودة دونالد ترامب مرة أخرى، مما يعني انتكاسة جديدة وانسحابا جديدا من اتفاق المناخ. ولهذا سيكون على بايدن إقناع الجميع بأن تعهدات الولايات المتحدة لا رجعة فيها.
أما التحدي الثالث والأخير، فهو سؤال النفوذ الأميركي ومدى قدرته على حشد الرأي العالمي خلفه، في مواجهة المزاحمة الصينية على قيادة العالم.
يصعب فهم الموقف الصيني من ملف التغيرات المناخية، ففي نهاية سنة 2020 أعلن الرئيس شي جين بينغ أن بلاده سوف تصل إلى “صفر انبعاث للكاربون” بحلول سنة 2060، بتأخر 10 سنوات عن الالتزام الأميركي.

بعدها سيعلن الرئيس الصيني في تلك السنة إنهاء دعم الدولة لمشاريع الطاقة التي تعمل بالفحم، سواء داخل الصين أو خارجها، وهي الوعود نفسها التي قطعتها كوريا الجنوبية واليابان. وهذه الدول الثلاث تشكل 95%من تمويل مشاريع الفحم منذ سنة 2013.

وتجمع الصين بين الأضداد؛ فهي الدولة الأكثر تلويثا في العالم، وفي الوقت ذاته بها 7 من أكبر شركات تصنيع مولدات الطاقة الريحية (المولدة بالرياح)، وبات الاقتصاد الصيني ينتج طاقة متجددة أكثر من بقية دول العالم مجتمعة، مما يقلل من كلفة الطاقة الشمسية والريحية في الصين.

لكن الصين أيضا تعتمد في توليد 53% من الطاقة على الفحم، وما زالت تعمل على زيادة قدرتها، وحسب تقارير أممية، فالصين بحاجة إلى إغلاق 500 مصنع لتصنيع الفحم، في غضون 10 سنوات.

صراع العمالقة

تنتج كل من الصين والولايات المتحدة نحو 40% من مجموع الغازات الملوثة في العالم، مما يجعل أي قرار مرتبط بالمناخ رهين اتفاق بين واشنطن وبكين.

وحاول الرئيس الأميركي جو بايدن كسر الجليد في العلاقات بين البلدين، عندما أرسل مبعوثه الشخصي للمناخ جون كيري للقاء نظيره الصيني “تشي زينهوا”، لتتوالى الاتصالات بين الطرفين، ولكن من دون أن يظهر نجاحهما في الوصول لأي اتفاق.

وتقول الصين إنها ما زالت بحاجة لنحو 20 سنة أخرى قبل أن تنتقل نحو الانتهاء من استعمال الفحم بحلول عام 2060، مما يجعل من الصعب تحقيق هدف قمة المناخ في غلاسكو بالوصول إلى “صفر انبعاث للكربون” بحلول سنة 2050.

ولم يعد بإمكان الصين أن تحتج بأن الولايات المتحدة هي السبب الرئيس في ظاهرة الاحتباس الحراري، بعد أن بلغت مستويات انبعاث غاز الكربون في الصين ضعف ما تنتجه الولايات المتحدة.