أقلامهم

لمى العثمان تنتصر للغرب وللسيد القمني وتهاجم بن لادن وسيد قطب

لمى فريد العثمان

وباء

صمتوا دهراً… لم تتحرك مشاعرهم لوحشية القتل العشوائي للمدنيين، لم يهزهم جزُّ أعناق الأبرياء كالخِراف أمام الكاميرات، لم تحرك فيهم ساكناً مشاهد الدماء السائلة ومناظر الجثث المتراكمة، لا يهمهم سفك دماء الأبرياء في بلاد الغرب المتسامح، التي فتحت لهم الأبواب على مصراعيها لبناء مساجدهم وإنشاء أحزابهم ومؤسساتهم ومدارسهم، بل ويعتاش آلاف اللاجئين منهم من الضرائب التي تدفعها شعوبها، بل ولم يدينوا بحزم عمليات التفخيخ والتفجير الهمجية في بلاد المسلمين، وإن فعل بعضهم فعلى مضض، ولا يزال العراق البائس يعاني الويلات ويحصد الآلاف من القتلى حتى اعتدنا سماع أخبارهم كل يوم دون أن يهتز الضمير. إلا أن المتعاطفين مع «الشيخ البطل المجاهد» لم يستطيعوا إخفاء عاطفتهم المرهفة تجاه تصفيته في قصره المشيد، فناح الرجال ولطموا وولولوا، وسقطت أقنعة الكثير ممن يسمون أنفسهم بالمثقفين والمعتدلين.

لم أكن أتخيل حجم هذا التعاطف الذي هبَّ كالإعصار في الفضائيات والإنترنت من مختلف التوجهات، ليفزعوا لرجل لم يجلب لأمتهم إلا الخراب والدم والدمار ونشر الكراهية، كما وفر الحجة للهيمنة الأميركية في المنطقة على طبق من ذهب، وخدم مصالح إسرائيل في تبرير إيغالها في البطش والإجرام، واستفادت منه الحكومات العربية المستبدة كذريعة لتشبثها بالسلطة واستمرار طغيانها… لا يهمهم ما فعل «شيخهم» بالإنسانية ولا يهم آلاف الضحايا الأبرياء مادام أطفالهم ليسوا من بينهم، ومادام أحباؤهم لم يمروا من نفس المكان، كما لا يكترثون بالصورة الدموية التي ينظر بها العالم إليهم وإلى دينهم، المهم أنه شفى غليلهم «بالانتصار المبين» وبرد ما في صدورهم من كراهية تشرَّبوها منذ نعومة أظفارهم، تجلت بشاعتها في تشفِّيهم ونشوتهم «لغزوة نيويورك» في 2001 التي اعترف بها بن لادن. فأي وحش يقبع بداخلهم؟

كل هذا الإذلال والضعف والتقهقر الذي لحق بنا، ولايزال هناك من يتوهم أن أسامة بن لادن انتصر لأمته على الغرب الذي «يتربص بالإسلام، ويكيد به ويحوك المؤامرات ضده لتصفيته» متناسين كما يذكر د. سيد القمني أن العالم المدني هو الذي كشف لنا ما يحدث من مجازر وتطهير عرقي في البوسنة، وهو مَن انتصر لمسلمي البوسنة لا نحن، وهو من أوقف المجازر وهو مَن يحاكم مجرمي الحرب لا نحن. كما يتجاهلون حقيقة أن بن لادن هو صنيعة المخابرات الأميركية التي وظفته لمحاربة الشيوعية، والتي سمحت بفتح مكاتب لتجنيد المجاهدين في الولايات المتحدة، فوضع يده بيدها ثم انقلب عليها.

تأثر بن لادن بفكر سيد قطب (منظّر جماعة الإخوان المسلمين)، الذي كفّر المجتمعات المعاصرة، ورأى أن أي فهم لا يتوافق مع فكره هو فهم باطل، ذلك الفكر الذي يُخرج النصوص عن سياقها الزمني دون النظر إلى خصوص أسبابها وظرفيتها هو الفهم السائد الذي تمتلئ به مناهجنا المفخخة لعقول أطفالنا الغضة، فلا عجب أن نحصد ما زرعناه فيها. فالأصولية وباء استفحل فينا بعد انهيار النزعة الإنسانية في التراث الإسلامي المستنير قبل سبعمئة سنة، ولن نتمكن من تجاوز ذلك «الانسداد التاريخي» حسب وصف هاشم صالح، إلا بعلاج مرضنا الداخلي المزمن، الذي لن نشفى منه إلا بخوضنا المعركة الفكرية المضنية التي خاضها مفكرونا الإسلاميون المستنيرون في ذلك الزمان.

• كثيرون هم صناع ثقافة الموت، أما صناعة التنوير فلا يقدر عليها إلا محترفون كعالم الاجتماع د. خلدون النقيب الذي رحل عن دنيانا فأورثنا إنتاجه الغزير، فالتنوير كما قال د. نصر أبوزيد هو «صناعة ثقيلة لا تقل عن التصنيع في المجتمع»… رحمك الله يا صانع التنوير.

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق