أقلامهم مقال ساخن

محمد عبد القادر الجاسم يفتح ملف ولاية العهد القادمة

كعادته في فتح الملفات التي يتحرج كثيرون من التطرق لها، الكاتب والمحامي محمد عبدالقادر الجاسم يفتح ملف ولاية العهد القادمة ويناقش تأثير “جمعة الغضب” على الوضع السياسي في الكويت. رأت في مقال الجاسم مقالاً ساخناً..

ولاية العهد.. محطة قادمة!

حين ينخفض سعر سهم تملكه، تقوم بشراء كمية إضافية من السهم ذاته بهدف تخفيض الكلفة الإجمالية لأسهمك. هذه العملية يطلق عليها “تبريد” الخسارة، لكنها أحيانا تتسبب في غرقك في الخسارة. واليوم نرى السلطة تستخدم منهج “التبريد” لتخفيض الكلفة الحقيقية لشعارات “الشعب يريد إسقاط الرئيس” و”الشعب يريد إصلاح النظام و”الشعب يريد حكومة شعبية”، فهل تنجح في خفض الكلفة؟!

اتسم عهد المرحومين الشيخين جابر الأحمد وسعد العبدالله، الذي ابتدأ في يناير من العام 1978 وانتهى رسميا في يناير من العام 2006، بالجمود على المستوى السياسي المحلي. صحيح أنه كانت هناك “محطات” للتطور السياسي، مثل منح المرأة حق الانتخاب والترشيح ودخولها الوزارة، إلا أن لهذا التطور “مؤثرات” خارجية أكثر منها داخلية. كما شهد “عهد الشيخين” في العام 2003 فصل منصب رئيس مجلس الوزراء عن منصب ولي العهد، إلا أن هذا “التطور” كان بتأثير عوامل “شخصية” تتصل بالحالة الصحية للمرحوم الشيخ سعد العبدالله وبالمعادلات الداخلية لذرية مبارك الصباح وليس بتأثير عوامل “موضوعية” عامة ومجردة. وفي “عهد الشيخين” كان “وجود” مجلس الأمة والدستور محور الصراع السياسي في البلاد بين السلطة والقوى السياسية والبرلمانية، إلا أن العامل الخارجي فرض على الأسرة الحاكمة بعد تحرير البلاد من براثن الغزو العراقي التخلي عن محاولات التخلص من “وجود” مجلس الأمة.

أما عن العهد الحالي، فقد بدأ في العام 2006 بداية “قوية” تمثلت في قرار مجلس الأمة بعزل المرحوم الشيخ سعد العبدالله من الإمارة نتيجة عدم توفر شرط القدرة الصحية لديه لممارسة مهام رئاسة الدولة. وبلا أدنى تردد يمكن اعتبار اللجوء إلى مجلس الأمة والاحتكام إلى القانون والدستور لحل “أزمة الحكم” من قبيل محطات التطور السياسي المهمة. كما أن قرار “استمرار” الفصل بين ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء، على الرغم من زوال الأسباب الشخصية التي دفعت إليه في العام 2003، يحسب لصالح التطور السياسي حتى وإن خالطته اعتبارات شخصية تتصل بعزوف سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد عن تولي رئاسة الحكومة. ثم جاء الاستجواب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد في العام 2006 تحت عنوان “الدوائر الانتخابية” كمحطة تطور رئيسية نتيجة لتحرك شبابي شعبي قوي استجاب له النظام.

بعد سلسة من الإخفاقات المتكررة للشيخ ناصر المحمد وحكوماته الخمس الأولى وتعرضه لاستجوابات متتالية وظهور مطالبات بعدم إعادة تعيينه كرئيس لمجلس الوزراء، وحين شعر أن استمراره في منصبه وانتقاله فيما بعد إلى منصب أعلى أمر غير مضمون، بادر الشيخ ناصر إلى فتح مسارات جديدة في طريق العمل السياسي والبرلماني.. وهي مسارات عززت موقعه ومنحته تفوقا كبيرا على خصومه من داخل الأسرة الحاكمة ومن خارجها، إلا أنها مسارات خطرة جدا على مستقبل الأسرة الحاكمة وعلى الكويت أيضا. ولست هنا بصدد كشف تلك المسارات وما يجري فيها، فهي معروفة للكافة، وعنوانها الرئيسي تفريغ النظام الدستوري من محتواه وتجريده من قيمته بالتزامن مع تكريس الولاء الشخصي عبر أساليب غير مقبولة وغير مسبوقة، تمارس جهرا وعلى نحو استفزازي، نتج عنها ما نراه اليوم من احتجاجات شعبية شبابية ترفع شعارات “الشعب يريد إسقاط الرئيس” و”الشعب يريد إصلاح النظام” و”الشعب يريد حكومة شعبية” في أجواء سعى الشباب فيها إلى “فرض إرادته” وتحدي السلطة التي هددت باستخدام العنف. كما نتج عنها مطالب أعلنتها قوى سياسية وكتل برلمانية بتعديل الدستور تهدف في حقيقتها إلى تقليص “السلطة الفعلية” للأسرة الحاكمة وزيادة عناصر الحكم الشعبي. كما نتج عنها خلل مهم في العلاقة بين الأسرة الحاكمة والشعب حين لجأت السلطة إلى سياسة القمع والضرب والاعتقال.

وبالطبع فإن بإمكان السلطة أن تلجأ “للتبريد” على نفسها فتتوهم دوافع شخصية للحركة الاحتجاجية، وأن تخدع ذاتها في تحليل أبعاد الحركة الاحتجاجية، إلا أن هذا لا يغير الواقع الذي يؤكد أن ثمة تطور سياسي شعبي تحت الصنع حاليا، وهو تطور مرهق للسلطة ومكلف جدا، ولن تتمكن من السيطرة عليه مستقبلا إن لم تقر به وتحتويه اليوم.. تطور في مراحله الأولى ينفرد شباب وجانب من القوى السياسية والبرلمانية في صياغته وتحديد هويته ومضمونه ومداه وملعبه، فيما السلطة تعمل على وأده بالتهديد باستخدام القوة ومن خلال إعلام هابط فاسد ومن خلال سياسة “تحييد” التجار وبعض القوى السياسية ونواب عبر المال السياسي.

وإذا كان البعض يرى أن سقف المطالب اليوم، وسط التطور السياسي الذي يتشكل، هو إقصاء رئيس مجلس الوزراء، فإننى أرى أن الأهمية لا تكمن في “المطلب” فقط بل في “الجرأة العامة” التي ظهرت في الخطاب الشعبي عموما والتي باتت تمس “كرامة الشيخة”.. تلك الجرأة التي انتقصت كثيرا من “المكانة الاجتماعية” للشيوخ التي ترنحت يوم أمس الجمعة ومعها هيبة السلطة حين عجزت عن منع الاجتماع واستسلمت أمام المسيرة الحاشدة التي طافت شوارع رئيسية.

من جانب آخر، فإنه حتى لو قيل بأن “إسقاط الرئيس” هو سقف المطالب الشعبية، فعلى الشيوخ الكرام الانتباه إلى أن الرفض الشعبي الحالي للشيخ ناصر المحمد كرئيس لمجلس الوزراء لن يتوقف لحظة تعيينه في ولاية العهد، بل أنني أتوقع أن تظهر مطالبة شعبية قوية ومعارضة برلمانية ترفض إسناد ولاية العهد للشيخ ناصر، وهو سقف جديد مرشح للتداول السياسي الشعبي حتى قبل حلول أوانه. بعبارة أخرى أرى أن محطة التطور السياسي القادمة ستكون ولاية العهد.. فإذا كان الشعب لا يريد ناصر المحمد رئيسا للوزارة اليوم، فهو لا يريده في ولاية العهد ولا في الإمارة أيضا في الغد. أقول هذا وأنا أضع في الاعتبار أن ولاية العهد، حين تنتقل الإمارة إلى سمو ولي العهد الشيخ نواف الأحمد، لن تخلو من “منازعة أسرية” قد تكون الأخطر في التاريخ الحديث لأسرة الصباح، وقد سبق لي أن كتبت بأن منصب ولاية العهد في المرحلة القادمة قد يكون عرضة للمال السياسي. فإذا تم الالتزام بقاعدة السن أو “الأقدمية” فستكون ولاية العهد للشيخ مشعل الأحمد، لكن هل يقبل الشيخ ناصر المحمد بهذا الأمر، أم أن “استثماراته السياسية” في مجلس الأمة سوف تؤتي ثمارها الأهم في تلك اللحظة التاريخية؟

مقابل هذا كله.. هناك قوى شبابية تنمو وتسعى لإثبات ذاتها وهي تستعجل تحقيق نتائج مثل رحيل رئيس مجلس الوزراء وتغيير منهج الحكم والإدارة. قوى شبابية، مهما قيل في فوضويتها وانقسامها، تحمل روح التحدي والمواجهة والعناد، ولا أهمية في أدبياتها لمصطلح “طاعة ولي الأمر” ولا قاعدة “الشيوخ أبخص”.. قوى شبابية فقدت الثقة في السلطات الدستورية، ولم يعد الشباب مجرد “هتيفة” لأعضاء مجلس الأمة أو لخطباء الندوات.. لقد أصبحوا أصحاب قرار منذ يوم أمس الجمعة.

إن التطور السياسي المنظم في الكويت بات مستحقا.. وهو يخدم مصلحة أسرة الصباح والشعب في آن واحد.. تطور وتغيير يشترك الشعب والسلطة في إحداثه من دون مواجهات ولا تحديات في إطار اتفاق وطني وبأسلوب حضاري.

إن على شيوخنا الكرام المبادرة إلى تقييم الوضع الراهن بموضوعية وحياد، ثم توقع ما ستؤول إليه امورهم بعد عشر سنوات لو أنهم لم يبادروا في الإصلاح والتطوير اليوم. وعليهم الانتباه إلى أن إبعاد رئيس مجلس الوزراء الحالي هو المدخل الرئيسي لأي مبادرة.. نعم اليوم يمكن أن يحسب إبعاد الرئيس مبادرة من السلطة.

شيوخنا الكرام: إصحوا من غفوتكم.. استوعبوا الواقع الجديد الذي يتشكل.. بادروا قبل فوات الأوان..

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق