أقلامهم

خيرالله خيرالله: النظام السوري يرفض الاعتراف بأنّ العالم تغيّر ولو لم يكن الامر على هذا النحو لكان استجاب في الوقت المناسب للدعوات الى الاصلاح

النظام السوري والدرس العراقي.. صيف 1995


خيرالله خيرالله


هناك من يسعى الى الاستفادة من تجارب الماضي القريب ومن المآسي التي حلت بدول مجاورة مثل العراق او قريبة مثل مصر وتونس. وهناك من يعتقد انه غير معني بأي تجارب حديثة او بما حلّ بهذا البلد او ذاك. بين الذين يمتلكون مناعة تجاه اي تطور او حيال اي محاولة للتعلم من مآسي الآخرين، النظام السوري الذي يرفض الاعتراف بأنّ العالم تغيّر. لو لم يكن الامر على هذا النحو، لكان النظام استجاب في الوقت المناسب للدعوات الى الاصلاح في وقت كان لا يزال هناك مجال للاصلاح. صدرت هذه الدعوات عن مسؤولين في دول عربية عدة بينها الامارات وقطر وسلطنة عمان وعن دولة غير عربية هي تركيا. ولكن يتبين مع مرور الوقت ان هذه الدعوات لقيت اذنا صمّاء، كما لو ان النظام السوري نسخة طبق الاصل عن نظام صدّام حسين الذي حاول الملك حسين، رحمه الله، انقاذه.
في مثل هذه الايام من صيف العام 1995، قبل لجوء حسين كامل الى الاردن في الخامس من اغسطس، بعث الملك حسين، رحمه الله، بالسيد مروان القاسم رئيس الديوان الملكي في المملكة الاردنية الهاشمية الى بغداد حاملا رسالة منه الى صدّام حسين. التقى القاسم الرئيس العراقي الراحل نحو ساعتين في حضور السيد طارق عزيز نائب رئيس الوزراء وقتذاك، الرجل الذي لم يكن يمتلك اي دور على صعيد اتخاذ القرار والذي يقضي ايامه الاخيرة في السجن لاسباب صارت معروفة.
كانت الرسالة تستهدف انقاذ العراق من المصير الذي كان ينتظره وينتظر شعبه لا اكثر. ادرك العاهل الاردني الراحل الذي كان يمتلك بعد نظر وحدسا متميزا ان هناك بعض الامل بحصول انتقال سلمي للسلطة يتم بشكل تدريجي يوفّر على العراق وشعبه وعلى العرب عموما المآسي. تضمنت الرسالة ثلاث نقاط اساسية وكانت بمثابة نصيحة اخيرة الى الديكتاتور العراقي الذي لم يكن على صلة بما يدور في المنطقة والعالم.
ركزت النقطة الاولى على ضرورة التزام العراق كل القرارات الصادرة عن مجلس الامن من دون اي تحفظ او تردد. كانت هناك قرارات عدة صدرت عن المجلس في مرحلة ما بعد المغامرة المجنونة التي اقدم عليها صدّام في الثاني من اغسطس 1990 عندما ارسل قواته لاحتلال الكويت البلد العربي المستقل والمسالم. اكدت الرسالة اهمية القرارات الدولية وانها غير قابلة للنقاش بغض النظر عمّا اذا كانت قانونية ام لا.
ركزت النقطة الثانية على ضرورة اجراء اصلاحات سياسية في العراق والسماح بتشكيل احزاب تمهيدا لاجراء انتخابات عامة ينبثق عنها مجلس للنواب يمثل كل القوى السياسية في البلد. كان رأي الملك حسين ان ذلك سيسمح بالتخفيف من حدة الاحتقان السياسي في البلد وسيساعد في جعل المجتمع الدولي يباشر في التفكير في رفع العقوبات التي كان المتضرر الاوّل منها الشعب العراقي.
اما النقطة الثالثة فتحدثت عن ضرورة تعاطي العراق بايجابية مع عملية السلام في المنطقة من دون ان يعني ذلك انخراطه في هذه العملية. كل ما هو مطلوب ان يلعب العراق دورا داعما لعملية السلام التي انطلقت بعد مؤتمر مدريد واكتسبت زخما بعد توقيع اتفاق اوسلو بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية صيف العام 1993 والتوصل الى اتفاق السلام الاردني- الاسرائيلي في – اكتوبر من العام 1994.
خلال اللقاء، كان صدّام يقاطع رئيس الديوان الملكي الاردني ويسأله: هل الرسالة منك او من الملك حسين؟ وكان جواب رئيس الديوان الملكي الهاشمي على السؤال المغفل انه لا يستطيع نقل رسالة من هذا النوع لو لم يكن مكلفا من العاهل الاردني وانها رسالة من رئيس دولة الى رئيس دولة اخرى.
كان صدّام يعبر عن استيائه عن طريق مغادرة قاعة اللقاء وترك مروان القاسم مع طارق عزيز بعض الوقت. وكان يعود ليسأل مجددا هل الرسالة من الملك حسين؟ وعندما طرح المبعوث الملكي الاردني النقطة الثالثة المتعلقة بالتعاطي الايجابي مع عملية السلام، غضب الديكتاتور العراقي وصاح: «هل تريدني ان اعترف اسرائيل»؟ وكان الجواب ان الامر ليس كذلك وان كل المطلوب ان يُظهر العراق انه يلعب دورا ايجابيا في مجال دعم الاستقرار في الشرق الاوسط…
انتهى اللقاء من دون اجوبة واضحة من صدّام حسين على النقاط الثلاث. لم يفهم الرئيس العراقي معنى الرسالة. وعندما لجأ صهره حسين كامل الى الاردن في اغسطس من العام 1995، اي بعد بضعة ايام من زيارة مروان القاسم لبغداد، كان الاعتقاد السائد في عمّان ان الرجل جاء بردّ على الرسالة. وتبين لدى توجه صهر صدّام حسين الى الديوان الملكي لمقابلة العاهل الاردني ان كل ما يريده هو البقاء في الاردن مع افراد عائلته…
حصل ما حصل في العراق. لم يكن هناك من يريد الاعتراف بالأخطاء التي ارتكبها وانّ العالم تغيّر وانه لم يعد فيه مكان لكلّ من يرفض التعاطي مع الواقع. في السنة 2011، نرى ان التاريخ يعيد نفسه. هناك من لا يزال يرفض الاعتراف بان العالم تغيّر وان الاصلاحات الداخلية مهمة شرط ان تأتي قبل فوات الاوان طبعا.
الاهم من ذلك كله ان ليس هناك من يريد الاستفادة من الدرس العراقي ومن ان لا فائدة تذكر من الاصلاحات في حال عدم الاقدام عليها في الوقت المناسب.
منْ قال ان هناك فارقا بين بعث وبعث في المنطقة، بين البعث العراقي والبعث السوري تحديدا؟

أضف تعليق

أضغط هنا لإضافة تعليق